المترجمون مبدعون لكنهم منسيون

المترجمة الألمانية كارين بيتس قضّت ثلاث سنوات في ترجمة رواية الميلاد الجديد للنمل للمؤلف لياو يفوس واحتاجت إلى أكثر من عام لترجمة كل جزء من الكتب الضخمة للمؤلف الصيني ليو تسي شين المشهور بمؤلفات الخيال العلمي.
السبت 2019/10/19
مجهود كبير مقابل أجر زهيد

يبحث المترجمون عن حلول تضمن لهم الحصول على أجور تتناسب مع ما يبذلونه من جهود، بالإضافة إلى حقوقهم في تثبيت أسمائهم بالصفحات الأولى من الكتب المترجمة تكريما للمستهم الإبداعية عند النقل من لغة إلى أخرى.

 فرانكفورت – “كلما اجتهدت، انخفض الأجر”، هذا ما تقوله الألمانية كارين بيتس، التي تعمل مترجمة، وتعاني من نفس المشكلة التي يعاني منها رفاق المهنة.

وأضافت المترجمة “يتم حساب الأجر بناء على عدد الصفحات، وليس حسب الوقت المستخدم في الترجمة”.

وترجمت بيتس، الخبيرة في علم الصينيات، 15 كتابا، على مدى السنوات العشر الماضية، حيث قضّت ثلاث سنوات في ترجمة رواية “الميلاد الجديد للنمل”، للمؤلف لياو يفوس، واحتاجت إلى أكثر من عام لترجمة كل جزء من الكتب الضخمة للمؤلف الصيني، ليو تسي شين، المشهور بمؤلفات الخيال العلمي.

وتحب المترجمة عملها، وتتحدث أيضا اليابانية والإسبانية والإيطالية والإنكليزية والفرنسية، وتقول “العمل مع اللغة والثقافة، عثرت هنا على رسالتي، بعض الشيء”. ولكنها لا تغتني من وراء الترجمة، “فمن الصعب الاعتياش من الترجمة وحدها”.

وأوضحت بيتس أنها تحسّن “وضعها الوظيفي الحساس” من خلال أموال الجوائز والمنح التي تحصل عليها والأعمال الإضافية التي تقوم بها إلى جانب الترجمة.

وتابعت “المترجمون أصحاب ملكية فكرية.. ولكنهم يداسون لدى دور النشر تحت عجلات تكاليف الطبع، وهي التكاليف التي يريد الناشرون خفضها قدر الإمكان”.

وقالت الكاتبة النرويجية، إريكا فاتلاند، على هامش افتتاح معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، الثلاثاء، “المترجمون الذين يتعرضون كثيرا للتجاهل هم أبطال الأدب الذين أتعامل معهم يوميا”.

ويشتكي الاتحاد الألماني لمترجمي الأعمال الأدبية والعلمية من أن المترجمين لا يحظون بأجور كافية أو تقدير كاف، يتماشى مع ما يبذلونه من جهود.

 ويضم الاتحاد في عضويته نحو 1300 مترجم، لا يحصل كل منهم من الترجمة على ما يكفيه للحياة.

وأظهر استطلاع للرأي أن متوسط الدخل السنوي للمترجم في ألمانيا كان عامي 2017 و2018 أقل من 20 ألف يورو، أي نحو نصف متوسط الدخل في ألمانيا.

وتوصل الاتحاد قبل خمس سنوات إلى اتفاق مع دور النشر، على ضوابط بشأن أجور المترجمين، وأصبح “الأجر الأساسي” لترجمة “الصفحة العادية” يبلغ 19 يورو، على ألا يقل عن 15 يورو، ولا يزيد عن 23 يورو للصفحة بالنسبة للترجمات المجهدة بشكل خاص.

ولكن ذلك لا يطبق في الواقع، “والشركات الكبيرة، بشكل خاص، هي التي تخالف حقنا في الحصول على أجور مناسبة”، بحسب المتحدث باسم الاتحاد الألماني لمترجمي الأعمال الأدبية والعلمية، كريستل كرونينغ.

وأجور المترجمين في تراجع، حيث أصبحوا يحصلون على أجر أقل بـ3.40 يورو للصفحة في المتوسط، بعد استبعاد آثار التضخم، رغم أن من حقهم، وفقا لقانون الملكية الفردية، الحصول على أجر “مناسب”، وهو ما أكدته المحكمة الاتحادية في ألمانيا في العديد من أحكامها.

ووفقا للاتحاد الألماني لمترجمي الأعمال الأدبية والعلمية فإن معظم المترجمين يخافون من المطالبة بهذا الأجر المناسب، ربما خوفا من عدم الحصول بعد ذلك على مهام ترجمة.

وأفادت بيتس بقولها “لدينا مسؤولية، تجاه النص وتجاه المؤلف”، مشيرة إلى أن القراء ودور الناشر لا يعرفون في الغالب مدى الجهد الذي يبذل في الترجمة، “فليست هناك ترجمات حرفية، أنا لا أترجم الكلمة، بل المعنى”.

وتابعت قائلة إن هدفها خلال الترجمة هو أن يتولد لدى القارئ الألماني نفس الإحساس الذي يشعر به القارئ الصيني عند قراءة النص الأصلي. ولذلك تجتهد المترجمة مع كل لفظ، ولكنها تدرك رغم ذلك أنه “لا يوجد حل كامل، فهناك قرار يستند إلى إحساسي بالنص وتحليلي له”.

ويسعى اتحاد “مسرح القراءة العالمي” لتوضيح هذا العناء للقراء، حيث تنظم فعالية بعنوان “المترجم الشفاف”، يعمل مترجمون خلاله علنا، أمام جمهور، في ترجمة أحد النصوص، ويتناقشون مع الجمهور بشأن الحلول الممكنة. ويمكن متابعة مثل هذه الفعالية خلال معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.

وساهمت عدة جوائز أيضا في تحسين “رؤية” المترجمين، منها جائزة باول سيلان التي تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، والتي حصلت عليها المترجمة الإيطالية أنيته كوبيتسكي، خلال معرض فرانكفورت.

وأصبحت دور النشر تضع اسم المترجم في صفحة العنوان الداخلية، بعد أن كان يوضع في السابق بالصفحة الأخيرة.

وبيتس من المترجمين الذين يحبون الخروج من ظل المؤلف “من أجل أن يراهم الجمهور بشكل واضح”، حيث اعتادت أن تتلو ترجماتها من وقت لآخر على مسمع من جمهور، وأن تُقدِمها لفعاليات ثقافية.

ولكن منظمي هذه الفعاليات يرفضون عرضها في الكثير من الأحيان، “وبدلا من ذلك يتفقون مع ممثلين بأجر باهظ، رغم أنهم لا يستطيعون نطق الأسماء الصينية بشكل صحيح”.

17