المترجم مراد شوبرت: كلير أتسوباردي نموذج لازدهار الأدب المالطي

المترجم مراد شوبرت يؤكد أن المشهد الإبداعي في مالطا عرف عصره الذهبي في شتى المجالات وخاصة بعد اجتياح حزب العمال والمد الشبابي الممتلئ بفورة الحياة.
الأحد 2019/08/04
مراد شوبرت: الأدب المالطي رهين المجتمع الذكوري

الموت والذكرى هما محور قصص هذه المجموعة “الكل خلّف اسما وراءه” للكاتبة المالطية كلير أتسوباردي، الكل ـ هنا ـ يترك ذكرى، حالة، حكاية، اسما يظل عالقا في أذهان العديد لتروي قصته دائما ولا تغيب.

تتعدد أساليب الحكي في هذه المجموعة لكن يظل الراوي ـ الرواة المتعددون أحيانا ـ هو الصوت الرئيس في العمل. وتغوص المجموعة التي ترجمها المترجم مراد شوبرت في عوالم متنوعة وتقدم حكايات عن الرحيل والذكريات والألم والحب، وكل الحكايات يجمعها اسم العمل الذي يبرز أن لكل شخصية بصمة تركتها في مكان ما سواء رحلت أم كانت تتأهب للرحيل.

وفي لقاء مع المترجم مراد شوبرت للتعرف على الكاتبة كلير أتسوباردي ومشهد الأدب المالطي، أكد أن المشهد الإبداعي في مالطا عرف عصره الذهبي في شتى المجالات وخاصة بعد اجتياح حزب العمال والمد الشبابي الممتلئ بفورة الحياة، الذي رافقه في تمكُّنه من جميع مفاصل الحياة الإبداعية، وبفضل استراتيجيته المتفتحة على آفاق المستقبل والعوالم المحيطة

به، تم تشجيع إحياء التراث الذي ظل ردحا من الزمن تحت وطأة المحافظين، وذلك بضخ دم جديد في شرايينه لمواكبة موجة التجديد. وقد طال هذا الحراك كذلك المشهد الأدبي في مالطا، مما ساعده على الخروج من قوقعة الانغلاق والانطوائية على الذات، التي عانت في السابق من قسوة احتكار طبقة النبلاء، ومقصّ الرقيب.

وقال شوبرت “كالطائر يزُفّ بنفسه ويبسط جناحيه، ينتعش الأدب المالطي في حلّته الجديدة، ويظهر هذا جليّا حتى في أبسط أدبيات الإنتاج الأدبي، كمثال على ذلك إخراج الكتب أضحى ينافس بَل يتفوق على نظرائه في الشطّ الآخر، ويسجل تنافسية بناءة على أعلى مستوى فني. ولأن مالطا بلد صغير، يبدو كحَصَب في المتوسط، يدرِي الكتاب والمؤلفون في قرارة أنفسهم أن سقف المنافسة سامق محليا ودوليا، لذا يجتهدون في عصرِ ملكاتهم وطاقاتهم الإبداعية لكي يُخرجوا شراب أدب سائغا لذة للقارئين.

حكايات عن الرحيل والذكريات والألم والحب
حكايات عن الرحيل والذكريات والألم والحب

وأكد أن هذه التنافسية صدّرت أعمال كثير منهم إلى ما وراء شواطئ مالطا، وأنتجت أسماءً كثيرة حازت قصب السبق في الحقل الأدبي، في أوروبا وآسيا بل اجتازت المحيط لترسو في بلاد تشي غيفارا مع الكاتب الرائع والعنيد ألكس فيرا جيرا، وقد بدأت إرهاصات هذا النِّتاج تلوح في الأفق العربي بمجهودات بعض دور النشر في مصر الحبيبة، وأعني بالذكر دار صفصافة الرائعة والربيع والمحروسة.

وأضاف شوبرت أن من الوجوه المشرقة في الأدب المالطي المعاصر: إيمانويل مفسود، الحائز على الجائزة الكبرى في الأدب الأوربي، وأدريان جريما الفينيقي المشاكس، ناصر فلسطين والمظلومين والذي ترجمت باقة من ورود أعماله إلى اللغة العربية من طرف الكاتب والأديب الخليليّ وليد نبهان، وبفضل مجهودات الناشر محمد البعلي.

وبالطبع اللائحة طويلة وغزيرة بالأسماء التي اتخذت الكلمة سبيلا في إخراج مكنوناتها الإبداعية للتعبير عن مخزونها الإنساني الذي يتجاوز الحدود، فهناك أيضا أسماء تلألأت أو في طريقها إلى وشم اسمها في الكتابة الإبداعية. أذكر على سبيل الذكر لا الحصر المخضرمة ماريا جريك جانادو والتي تنحدر من عائلة مرموقة لها باع طويل في الأدب المالطي، والتي يتغنى بموروثها الكبير والصغير. لا ننسى أيضا الشاعرة والكاتبة الجميلة لِيّان ألُّول التي قام بترجمة عملها “جرام” الشاعر والمترجم السوري المبدع عماد الأحمد. ثم أعرج على بيت القصيد مع كاتبتنا كلير أتسوباردي فنانة السرد والحكي التلقائي، الأستاذة وخريجة الأدب المالطي، محبوبة الصغار قبل الكبار.

ولفت إلى أن المجموعة القصصية “الكل خلف اسما وراءه” هي ثاني عمل لأتسوباردي لفئة الكبار، وتحوي بين طياتها ثماني قصص يربط بينها عنصر نسوي أنثوي عانى من وطأة مداس رجل متعجرف، عنصر من المجتمع يحاول فرض نفسه في مجتمع ظل حتى وقت قريب يمارس فلسفة الرجل المتعجرف، ويظهر هذا جليا للمتصفح في صفحات هذا البلد الأمين، حيث كان لزاما على المرأة أن تتشح بالغونيلّا “Għonnella”، التي تشبه إلى حدٍّ ما البرقع في عالمنا العربي. كلير كاسمها، واضحة المعالم.. في يدها الغونيلّا، وفي اليد الأخرى تحمل سيف الكلمة لتنافح عن كنفها وبنات جنسها.

وأشار شوبرت إلى أنه على ما يزيد على قرن من الزمن ظل الأدب المالطي أسير الرجل المؤلف والكاتب، وهيمن الرجل البطل على مشهد القصة والرواية والشعر أيضاً، وقد كان يستجير بتقاليد البطريرك وصليب الكنيسة، ليدفع في قعر جهنم كل من سولت لها نفسها أن تفر من الغونيلّا. في “جَبيرتها”، تحاول كلير مكلومة بسنان البطريرك أن تضمد جراحها وبنات جنسها، وذلك بفنّ راقٍ واختارت شخوصها بعناية حيث أبت ألّا يكن غير نسوة تذمّرن ليس فقط من الغونيلّا، بل من الجَمل وما حَمل.

وأضاف “أما بخصوص دور الرجل في الأدب المالطي، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر موعد بداية الكتابة باللغة المالطية، وحتى استقلال البلد من وطأة الانتداب البريطاني سنة 1964، ظل الأدب المالطي رهينا بيد الرجل على كل الأصعدة، ومن منظوره هو فقط لأن المرأة كانت حبيسة الغونيلّا، أمة تخدم سيدها في البيت. أما الشخوص النّسائية في الأدب المالطي فبقيت مجرد صور جمالية مغرية لتُجمّل المشهد في الرواية أو القصة أو القصيدة إلى حدٍّ ينأى بصاحبه عن مساءلة البطريرك وحَدِّ المقصلة”.

ورأى شوبرت أنه قبل الخلاص من وطأة الإنكليز، كانت الشخوص في الرواية الأدبية المالطية تلبس الشهامة والتضحية في مقاومة الغرباء وإجلائهم خارج البلد حكرا على الرجل البطل، الذي يضحي بنفسه لتتغزل به بنات الحارة، في الوقت الذي

تلزمن فيه قعر بيوتهن. ولن تعدم في الأدب المالطي أن يخرج لنا الزمن أناسا يعدون على رؤوس الأصابع، ممن نافحوا عن حرية الفكر، والعدالة الاجتماعية إلى درجة أن كان من بينهم رجال حاولوا اختراق عالم الجن والجنون.

وأوضح أنه بعد الاستقلال، بدأ الأدب المالطي بتنحية مصطلحات الوطنية رويدا رويدا، وأضحى الإهتمام مركزا على تقلبات شخصية الرجل البطل ذاتها، مما اضطر كثيرا من الكتاب إلى الهجرة خارج مالطا، خاصة بعد أن شموا رائحة العمالة للإنكليز والطّليان، وأسسوا في ما يشبه عندنا في العالم العربي بأدب المهجر، هروبا من استحواذ طبقة بالسلطة دون أخرى. وفي تسعينات القرن العشرين بزغ فجر جديد من جيل جديد. كتاب ورثوا الحمل الثقيل عن أسلافهم، وأَوْحُوا إلى السماء أن تبعث لهم شمسا جديدة غير التي عهدوها، فأشرقت ومعها لغة جديدة مواكبة لمستجدات عصر آخر أخرجت من رحمها أدبا جديدا، وثورة تستفيد من القديم، لتزف لنا كاتبتنا المحبوبة كلير أتسوباردي.

عجوز مصابة بالخرف تستجم على كرسي

هيلين لها نظرات مفعمة بالتجهم، ومن اليسير عليها أن تنظر إلى الآخرين بكراهية، لا تبالي إن لم يكن أحد يشعر بالارتياح تجاهها، تنظر نظرة محايدة إلى خضراوات فريدو الذي يقف بعربته في نهاية الشارع كل ثلاثاء وخميس، وبتقزز ترمق الجبن الطازج فوق رف الحانوت الذي يشبه القفص؛ حانوت فيتورين، قبل أن تناولها عدة قطع من الجبن البَلدي.

تتجهم في وجه البنات وهن لابسات أحذية وردية، والصبية وأزيز دراجاتهم، تتجهم في وجه النساء اللاتي يخرجن كراسيهنّ أمام عتبات الأبواب في المساءات الصيفية للثرثرة وفي أيديهن المسبحات، تتجهم وهي تنظر إلى واجهات المتاجر في شارع الجمهورية وتحت أقواس المدينة، ومن بين النعال، تتجهم في وجوه المارة وهم يمرون سريعًا من أمامها، وتلقى بُولي بالغلظة والوجه الكريه، التي تستجدي قوتها من جمع القارورات الفارغة التي يتركها السكارى وراءهم، تتجهم وهي تتفقد الأحذية في المتجر، تتجهم وهي تعدّ النقود.

تتجهم حينما تفتح وتغلق الدَّرَفات في المنزل، يتقزز وجهها وهي تنظر إلى نفسها في المرآة التي أكل الدهر عليها وشرب، مرآة ملطخة بطبعات بنية قاتمة اللون، علقت على حائط مدخل البيت الضيق والمظلم، تعبس في وجه أمها العجوز المصابة بالخَرَف، والتي كانت تستجمّ على كرسي بذراعين في الشرفة المغلقة وهي تستمع للراديو الذي تضعه قريبًا من أذنيها.

كانت تتمنى أن تصبح راهبة معتكفة، وأن تتبوأ مركزًا ساميًا في مركز تعليم العقيدة المسيحية للبنات، أو أُمًّا لثلاثة أطفال، أو قائدة في فيلق العذراء، أو زعيمة المرشدات، كل ما حلمت به استحال هباء وضاعت أمنياتها لتجد نفسها مجرد خادمة عند ميس آند ميس هيغينز.

بوني فرنسيس هيغينز وبتريس روز هيغينز تملكان متجر الأحذية البريطاني الموجود تحت الأقواس الموبوءة في ميدان سان جوان بفاليتا؛ هما عازبتان، تربيتا وعاشتا أولى سنين حياتهما في شقة بسيطة، في مبنى فينسنتي، أما ما تبقى من حياتهما فأمضيتاه في شقة أكبر، متجددة الهواء، في نفس البناية لكن في طابق أعلى.

تفتح النوافذ وتشعل النور، تأخذ قطعة قماش جافة وتشرع في مسح واجهة المتجر، ثم تكنس أرضيته وتجلس فوق كرسي بلا ظهر أو ذراعين قرب المنضدة الخشبية، تفتح صندوق النقود، تنظر إلى علب الأحذية الموضوع بعضها فوق بعض كاسية للجدران لتتأكد أن كل شيء على ما يرام، تنتظر الزبائن، وفي خلال ذلك تتابع النظر إلى الأحذية فوق العلب؛ حذاء للمناسبات بكعب متوسط وشريط مطاطي بني اللون أو أسود، أو بلون القهوة باللبن؛ وحذاء مطاطي يتمدد وفق قياس الساقين، وصنادل مفلطحة مزينة بشرائط في جانبها تحمل لونًا بنيًّا أو أبيض، وآخر للنساء مناسب لحفلات الزفاف.

عملت في متجر الأحذية البريطاني منذ أن كانت في الخامسة عشرة من عمرها، كان لدى ميس آند ميس هيغينز ما يكفي من قيود أوقات فتح وإغلاق المتجر والروتين الكئيب الذي كان جزءًا لا يتجزأ من امتلاك متجر في العاصمة فاليتا؛ لذا طلبتا من الخادمة جاشينتا السماح لابنتها هيلين بمساعدتهما.

لا شك أن جاشينتا كانت لا تعير أدنى اهتمام بالمهن غير المربحة كما تفعل الراهبة، أو رئيسة فيلق العذراء أو زعيمة المرشدات.

في الثامن عشر من أغسطس عام 1978، وقفت جاشينتا وهيلين أمام متجر الأحذية البريطانية في انتظار الأختين ميس آند ميس هيغينز لتُطِلّا من زاوية الشارع ليفتحن المحل ويخبرن هيلين بما عليها فعله.

قبل أن تغادر، أراحت أم هيلين ضميرها بصلاة إلى القديسة هيلين التي صادف يومها ذكرى الاحتفاء بها، ثم طلبت من ميس آند ميس هيغينز أن تعطياها أجرة هيلين مقدمًا.

على الرغم من أن هيلين كانت غليظة الطباع، إلا أنها استطاعت أن تتعلم بسرعة، بعد بضعة أشهر فقط بدأت تفتح المحل بنفسها في التاسعة صباحًا حتى تحظى الأختان ميس آند ميس هيغينز بقسط أوفر من النوم.

تغلق المتجر في الواحدة زوالًا ليتسنى للأختين الذهاب لتناول الغداء في مقهى كوردينا مع أصدقائهما، وتعيد فتحه في الرابعة حتى تتمكنا من الذهاب إلى الصالون لتصفيف شعرهما على شكل كعكة، ثم تغلقه أخيرًا في السابعة مساء لتتمكنا من حضور عرض في المسرح القومي، أو متابعة برنامجهما المفضل على التلفاز، أو مزاولة رياضة المشي في حدائق هاستينغز أو “البرّاكة” العليا، أو ربما الذهاب إلى حفلة من حفلات الأصدقاء في الكازينو.

12