المتشددون "يحاربون" التشدد في التعليم العراقي

يقف نظام التعليم العراقي على بعد خطوات قليلة من محاولة يائسة لتطويره من قبل حكومة يهيمن عليها رجال الدين المتشددون، لكن إقصار الإصلاح على جعل المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية أربع سنوات لكل منها، ليس حلا يحتاجه وزير التربية كي يتمكن من دخول “عش الدبابير” من أجل البحث عن إصلاح حقيقي.
الثلاثاء 2016/08/23
تعليم التدين وتدين التعليم

بغداد/لندن - يواجه التعليم العراقي انهيارا غير مسبوق على وقع ضربات متتالية من تنظيم الدولة الإسلامية والنفوذ المتزايد لميليشيات شيعية متشددة وصعودا حادا في معدلات الاستقطاب والطائفية وانخفاضا حادا في أسعار النفط.

ويقول محللون إن نظام التعليم العراقي يحتاج إلى ثورة تصحيح تبدو متأخرة.

وأشارت منظمات دولية إلى أن نظام التعليم العالي في العراق يعاني من حالة انهيار جرّاء تدني المستوى العلمي، وتدنّي كفاءة المدرسين، وتراجع مستوى الأنظمة التعليمية التي طبّقت بعد الغزو الأميركي عام 2003.

ووصفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونسكو” في مارس 2003 نظام التعليم في العراق بأنه، باستثناء فترة الحصار الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي، “كان واحدا من أفضل الأنظمة في المنطقة”.

وأشارت المنظمة، التي تحظى بمصداقية كبيرة، إلى أن نسبة المنتظمين في الصفوف الدراسية في التعليم الابتدائي كانت تصل إلى 100 بالمئة في معدل الالتحاق الإجمالي وارتفاع مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة، سواء بين الرجال أو النساء. لكن التعليم العراقي يبدو اليوم أبعد ما يكون عن مستويات ما قبل الحصار، إذ باتت الأيديولوجيا الدينية محركا رئيسيا لمدارس دينية تكتظ بالطلاب الجدد.

وتنصب مناهج هذه المدارس على الفقه والعلوم الشرعية وكتب أئمة شيعة تحظى بقبول واسع بين المتشددين في صفوف ميليشيات الحشد الشعبي الطائفية.

ودفع ذلك الحكومة إلى إلقاء حجر في المياه الراكدة عبر الإعلان عن خطة جيدة لإعادة هيكلة التعليم قبل الجامعي في العراق.

وفي 9 أغسطس الجاري، أعلن وزير التربية محمد إقبال الصيدلي، عن تقديمه مشروعا لتطوير النظام التعليمي في العراق، مشيرا إلى أن المشروع يتضمن تحويل المراحل الدراسية الثلاث إلى أربع سنوات لكل مرحلة متوزعة بين الابتدائية والمتوسطة والإعدادية.

وقال الصيدلي في بيان إن “الأنظمة التربوية والتعليمية في العالم طرأ عليها تطور كبير، بينما لا يزال العراق يعاني من تأخره في هذا المجال مع بقاء تطبيق الأنظمة القديمة”.

وأضاف “قدمنا مشروعا لوزارة التربية لتغيير النظام التعليمي في العراق من (6-3-3) إلى (4-4-4)، وتم توجيههم بتقديم الدراسات المستفيضة حوله”، موضحا أن “المشروع يتضمن تغيير عدد السنوات المتبعة وجعل المراحل كافة متكونة من أربع سنوات موزعة بالتساوي على الابتدائية والمتوسطة والإعدادية”.

ويقول كثيرون إن إصلاح المنظومة التعليمية في العراق يتطلب ما هو أكثر من مجرد تغيير عدد سنوات كل شهادة على حدة، إذ تجب إعادة تأهيل المعلمين وبناء المزيد من المدارس لاستيعاب الطلاب النازحين من مناطق تقع تحت سيطرة داعش.

محمد إقبال الصيدلي: المشروع يتضمن تغييرا في عدد السنوات المتبعة وجعل المراحل كافة متكونة من أربع سنوات

وأضافوا أن على الحكومة إعداد برنامج واسع النطاق لتطوير المناهج الدراسية التي باتت مصدرا للتشدد الديني بشكل كبير. وفي لندن لم يكن هناك وقت للراحة لدى أمير رمضان، مدير المجلس الثقافي البريطاني في العراق، في السنوات الأخيرة، حيث كانت أمامه مهمة صعبة للغاية. وتحدث رمضان في وقت سابق من هذا الشهر للصحافيين في لندن عن مهمته لمدة عامين في العراق، وروى المدير المنتهية ولايته كيف استولت الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من البلاد، قبل وقت قصير من توليه المنصب في سبتمبر عام 2014.

وجعل تراجع أسعار النفط -الذي يشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الحكومة العراقية- إلى أكثر من النصف خلال النصف الثاني من العام الأمور أكثر سوءا، مما اضطر الحكومة إلى إنفاق مليارات الدولارات من الاحتياطيات للحفاظ على النفقات الحالية، مما يعني أيضا أنها اضطرت إلى خفض المنح الدراسية في الخارج.

وأضاف رمضان أنه مقارنة مع فترة تعيينه في منصبه “يبدو الوضع مختلفا تماما على ما كان سائدا على الأرض عندما وصلت في سبتمبر 2014″.

لكنه أكد أيضا أن هناك تغييرات إيجابية تحدث في مجال التعليم العالي في العراق. ورغم تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن معظم الجامعات تعمل بشكل طبيعي، وقد تم نقل طلاب الجامعات النازحين إلى مؤسسات أخرى. وقال “زرت النجف التي تعد مركزا للطائفة الشيعية، وقالت قيادة الجامعة إنهم رحبوا بالطلاب السنّة القادمين إلى جامعتهم من تلك المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش. كان من الجميل حقا أن نرى التعليم العالي يلم شمل المجتمع”.

وفتح تراجع أسعار النفط نقاشا طال انتظاره حول ادعاء الطلبة العراقيين بأن الحصول على شهادة جامعية يؤدي تلقائيا إلى تحصيل وظيفة مريحة في القطاع العام، وهو توقع يُعتقد أن وراءه الكثير من الإحباط والغضب من طرف الخريجين العاطلين عن العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الربيع العربي.

وأوضح رمضان أن “القطاع العام المتضخم بشكل كبير، ليس فقط في العراق ولكن كذلك في مختلف دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

وتابع رمضان، الذي يترك منصبه من أجل رئاسة المجلس الثقافي البريطاني في المملكة العربية السعودية، أنه نظرا إلى انخفاض الإيرادات أصبحت “الحكومة غير قادرة على المزيد من استيعاب الأشخاص في القطاع العام، وربما تعمد إلى تسريح عدد من الموظفين”.

وقال إن “هذا خلق الكثير من النقاش الآن حول ماذا سوف يفعل طلبة الجامعات عند تخرّجهم؟ هناك الكثير من المشاريع الاجتماعية والمشاريع الخاصة”.

وأضاف “كان يسود اعتقاد بأن الحكومة هي المسؤولة عن كل شيء، وسوف تتولى رعاية كل شيء. ولكن هذا تغير”. وكانت أكثر اللحظات سريالية للسيد رمضان عند الاحتفال بالذكرى الـ400 لوفاة وليام شكسبير.

17