المتشردون العراقيون.. بين سندان البؤس في هولندا ومطرقة الواقع العراقي المؤلم

الثلاثاء 2013/08/13
تشدد السلطات الهولندية في إجراءات اللجوء تزيد من تفاقم المشاكل النفسية لللاجئين

أمستردام – يعتبر العراق من بين الخمس دول في العالم المتصدرة النسب الأكبر في أعداد اللاجئين حسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة. فبعد قرار الحكومة الهولندية إعادة 1500 عائلة عراقية قسرا بالتنسيق مع الحكومة في بغداد الشهر الماضي، أصبحت وضعية اللاجئين العراقيين في هولندا أكثر تعقيدا، خصوصا مع تدهور الأوضاع الأمنية ببلدهم الأم، مما يجعلهم يرفضون العودة إليها.

ورغم الانخفاض الحاد لهروب العراقيين من بيوتهم، وعودة بعض المشردين إلى ديارهم، إلا أن المشردين عامة، متخوفون جداً من اتخاذ قرار العودة إلى بيوتهم لاعتقادهم باحتمالات تعرضها للتدمير أو خوفا من مواجهة نفس الظروف اليائسة التي عانوها أثناء تشريدهم.

ويعاني اللاجئون أحيانا مما يـُعرف بحالة "إجهاد ما بعد الصدمة" نتيجة للتعذيب الذي تعرضوا له، أو الاغتصاب، أو محاولات القتل في بلدانهم الأصلية. وعدم الاطمئنان على مستقبلهم في هولندا يتسبب لهم في الكثير من المشاكل النفسية، التي تتفاقم بإجراءات اللجوء الطويلة التي صارت أكثر تشددا.

وتصل الأمور باللاجئين أحيانا إلى اختيار الانتحار أو ارتكاب جريمة قتل بحق آخرين كمخرج أخير متخيل.

وفي حالة اليأس الشديد الذي يواجهه العراقيون اللاجئون في هولاندا، تلح الظروف وتفرض على اللاجئين البحث عن الاستقرار في الغرب، ومن ثم الوقوع في حبائل عصابات المافيا.

ويحدد المتخصصون الاجتماعيون الهولنديون العاملون في المؤسسات الاجتماعية التي تهتم بالمشردين 3 أسباب تدفع الفرد إلى التشرد، لكن العراقيين المتواجدين في هولاندا أضافوا سببا رابعا لهذه الأسباب الثلاثة. السبب الأول هو سيكولوجي وسوسيولوجي في آن معا يتحول بموجبه الشخص السوي إلى شخص متشرد مدفوعا بعوامل عدة منها عدم قدرته على ترتيب حياته الاجتماعية أو المادية مع أنه يعمل ويحصل على مرتب معقول.

والسبب الثاني هو الإدمان على المخدرات والكحول وبالتالي عدم القدرة على العمل.

أما السبب الثالث فهو الفقر وعدم القدرة على دفع مستحقات الحياة كالإيجار والماء والكهرباء وغيرها.

والسبب الرابع وهو عراقي واستثنائي بطبيعة الحال أضيف إلى هذه الأسباب الثلاثة وهو وجود لاجئين عراقيين كثيرين مهددين بالطرد من هولندا بسبب عدم حصولهم على اللجوء السياسي بالرغم من مكوثهم الطويل في هذه البلاد.

ويحلل المختصون في هذا المجال بالاستعانة بالطبيب النفسي المشاكل النفسية التي تحول شخصا ناضجا ومنتجا إلى شخص مريض يتسكع على الأرصفة ويلتحف أرضية المحطات كمأوى غير ثابت بالاستعانة بتاريخ الشخصية المريضة والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها. وغالبا ما تكون العزلة والوحدة وضغوط العمل سببا مباشرا في انهيار الفرد.

من جانب آخر يلجأ الكثير من الأفراد إلى الكحول والمخدرات للتخلص من هذه المصائر التي تبدو لأول وهلة غير قابلة للتغيير، لكن النهاية التي يصل إليها هؤلاء الناس تبدو كارثية إلى درجة لا يمكن معها إصلاح أي شيء. إن مجرد بقاء المرء في الشارع لمدة قصيرة كفيلة بجعله مشردا إلى الأبد، وهو شعور عرفه العديد من الشباب العراقيين المهددين بالطرد من هولندا لعدم حصولهم على الإقامة الدائمة أو المؤقتة.

ويوجد في كل مدينة هولندية كبيرة عدد من البيوت الخاصة بالمشردين يأتون إليها للنوم فقط مع دفع مبلغ ضئيل لا يتجاوز 3 يورو لليوم الواحد. ويحصل المشرد على مرتب أسبوعي لا يزيد عن 50 يورو يتدبر به نفسه ولا يتغير هذا الحال إلا إذا حصل المشرد على مكان للسكن مع عنوان دائم من أجل أن يسترد حياته السابقة.

المتشرد يحصل على مرتب لا يزيد عن 50 يورو

ويقول "عبد" وهو اسم مستعار لأحد المتشردين، إن المرحلة الأولية للانهيار النفسي وفقدان الروح يتحول بموجبها المتشرد إلى كيان مستلب بلا شخصية ولا أحاسيس بمرور الوقت لأن النوم في الشارع في هذا الجو البارد يقتل الجسد ويذيب الروح. إن المشرد يتحول بعد أسابيع من تشرده إلى حيوان مريض ولا يمكن إعادته إلى طبيعته إلا بمساندة طبية واجتماعية صارمة.

وقد وصل الحال بـ"عبد" إلى التنقل من كنيسة إلى كنيسة بحثا عن الطعام وأحيانا البحث في القمامة من أجل قطعة خبز. وقبل أن ينهار كليا استضافه أحد أصدقائه الجيدين لفترة قصيرة في بيته وأقنعه في النهاية بالعودة إلى أهله في العراق مهما كانت الظروف.

وعرف "عبد" في بيوت المشردين الكثير من المجرمين الذين دفعتهم ظروف التشرد والجوع إلى السرقة وارتكاب جرائم كبيرة تصل إلى القتل من أجل الحصول على المال أو المخدرات.

ويقول "عبد" موجها النصيحة إلى اللاجئين العراقيين المشردين في هولندا: "عودوا إلى أهلكم في العراق قبل أن تصابوا بالجنون والضياع، اذهبوا إلى أي مكان آخر ولكن لا تبقوا في هذه البيوت لأنكم لن تخرجوا منها سوى حيوانات مريضة".

20