المتشظي بالضوء

الجمعة 2017/06/02

يُطلق على الساعة التي تلي الولادة مُباشرة بالساعة الذهبية، وهي الفترة الثمينة التي تُعقد فيها الصلة القوية ما بين الطفل وأمه، كذلك يُطلق على الفترة التي تسبق حلول الغروب بما يُقارب الساعة أو أكثر بقليل بالساعة الذهبية، وهي الساعة التي مررت بها عن طريق الصدفة بأحد الشوارع في بيروت على مسافة لا تفوق الستة أمتار من جدار قديم بدا وكأنه للوهلة الأولى مُرصعاً بشموس صغيرة تُرسل خيوطها إلى ما بعد الرصيف، حيث يمرّ الناس كالسراب.

ما إن اقتربت من الجدار حتى رأيت أن الشموس ما هي إلا أشعة مُلئت، ومن ثم مرّت عبر فجوات صغيرة أحدثتها شظايا قذائف ربما تعود إلى أواخر أيام الحرب اللبنانية، المشهد كان آسرا وغرائبيا، لا سيما وأن أشعة الشمس قد حوّلت ملامح الجدار المنخور بآثار العنف إلى مزار للضوء.

أخذتني تلك التصدعات “الذهبية” إلى الفن الياباني، وتحديدا إلى فن الخزف، فاليابانيون عندما تتحطم لديهم أوان خزفية جميلة لا يرمونها، بل يقومون بإعادة جمع أجزائها بمادة لصقية مجبولة باللون الذهبي، أما سبب حرصهم على الترميم واعتمادهم اللون الذهبي دون غيره من الألوان، فمرده القناعة بأن تلك التكسرات التي تصيب الخزف، كما تصيب الإنسان في حياته تحدد هويته وتجعله متميزا بسيرته الشخصية.

تُسمى هذه التقنية الفنية بـ”كينتسوكوروا” أي “الترميم بالذهب”، وقد أقامت اليابان العديد من المعارض التي تضمنت أجمل الخزفيات التي أعيد جمعها بشرايين من الذهب اللاصق، مع الحفاظ على شكل التصدعات والتكسرات.

اشتغل الكثير من الفنانين على ثيمة التكسرات والأواني المُحطمة، ولعل أجمل الأعمال تلك التي قدمها الفنان الإيراني المعاصر آيدين آغداشلو، وهو من مواليد سنة 1940.

قدم هذا الفنان في السنوات التي تلت الثورة الإيرانية أجمل أعماله الفنية وأبرزها تلك التي وضعها في مجموعات حملت هذه العناوين “ذكريات التحطيم”، و”أعوام النار والثلج”، و”شفاعة الملائكة”.

أعماله بمجملها تشير إلى فكرة العدم و تحطيم الجمال، وقد جسد ذلك في أعمال فنية لا تخلو من الغرائبية من خلال تجسيد فنيّ حساس للأواني الخزفية الفارسية في لحظة تحطمها أو في اللحظة التي تلت ذلك، كما جسد أفكاره تلك من خلال اللوحات التي تبرز منمنمات فارسية ممزقة تهوي أو هي مُعلقة بألوانها الساحرة في فراغ لوحته القاتمة.

تحيل كل تلك الأشياء الثمينة وشعرية تفككها في الفضاء إلى أبعد بكثير من كونها مجرد أشياء جميلة، إنها النفس البشرية، إنها القيم والمشاعر الإنسانية النبيلة، وتذكر بشكل قوي ببرهان “الرجل المعلق في الفضاء” لابن سينا، فتلك الأشياء المفككة الأوصال وهي تهوي في لوحاته “لا تغفل عن وجود ذاتها”، وهي في ذلك بحالة ترميم أُرجِئت مفاعيله إلى حين.

لا تبتعد هذه الطريقة في رؤية التكسرات والجراح عن منطق تفكير الصوفي جلال الدين الرومي حين قال “الجرح هو المكان الذي منه ينفذ الضوء إليك”، ويقول في مكان آخر “حيث الخرائب هناك الأمل في العثور على الكنوز”.

وتلك الكنوز من السهل رؤيتها على أنها المُرمّز له بالمادة الذهبية التي تعيد جمع أجزاء الإناء المكسور، وأنها أشعة شمس العصر المُبلسمة لفجوات الجدار، وهي أيضا الساعة السريعة العطب التي تُنسج بخيوطها المُقصّبة بالذهب أواصر قدرية ما بين “الرقيق” القادم إلى الحياة الأرضية وأمه الدامعة بُعيد الولادة.

كنوز تسيل، كلما مر بك العمر، ماء يقترب من شفتيك لتجترع الموت والحياة، الفرح والحزن، الفراق والاتصال في جرعة واحدة.

ناقدة لبنانية

17