المتصوف والظلاميون

الثلاثاء 2014/12/09

عاش يحفر في جينولوجيا ثقافتنا ليقدم للغرب أكثر وجوهها عمقا وإضاءة، ويبحث في كتبنا التراثية عن أنصع ما فيها ليُطلع القارئ الأجنبي على النزعة الإنسانية التي تسكنها. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان من القلائل الذين جرّدوا أقلامهم للتنديد بالجريمة، وتبرئة الإسلام من مقترفيها، وفضح محاولات فئة ضالة الاستحواذ عليه، وتأويله تأويلا خاطئا يدفع غير الواعين، من الشباب بخاصة، إلى عداء الآخر. كان يبيّن بالقرائن والأدلة أنهم مجرمون ضلوا طريقهم، وأن جماعاتهم المستجيرة بالكهوف والمغاور طوائف لا علاقة لها بالدين، تتسربل بجلابيب التقوى، وتدّعي زورا الجهاد في سبيل الله، ولا تمدّ يدها الآثمة في الغالب إلا إلى المسلمين.

كان يستوحي من تراثنا صفحات يقترحها على الغرب، في لغته، ليتبيّن أهله تعاليم ديننا السمحة، ودعوته إلى المحبة والتآخي بين البشر، ويستعرض مبلغ تسامح المسلمين الغابرين مع نصوص صارت اليوم محظورة، بسبب العمى الديني المستشري في الأقطار التي طغت فيها الأصولية طغيانها، لأنها تتغنى بالحب وعشق الحياة وتصوّر نعم الله في أجلى صورة، ويترجم نماذج من نصوص المتصوفة كابن عربي والحلاج والسهروردي وابن مدين التلمساني ليثبت أن للمسلمين ثقافة غير ثقافة الموت.

كان يدعو إلى الإسلام التنويري، القائم على العقل لا النقل، لمقارعة الأصولية، تلك الفئة التي نعتها بـ”مرض الإسلام”، تماما كما كان عدمُ التسامح مرض الكاثوليكية، وكانت النازية مرض القومية الجرمانية، ويرى ألا مستقبل لنا إذا سكتنا عن الجاهلين القانعين بقراءة حرفية للنص الديني، ولم ننشر قيمنا الحضارية الحقّ.

في كتبه الثلاثة الأخيرة “مرض الإسلام” و”مواعظ مضادة” و”الخروج من اللعنة” حلل الأسباب التي جعلت الدين مطية للأعمال الوحشية، ورأى في “تأمْرُكِ” العقول إفراغا للروح، “لأن الأمركة، كما يقول، “تقترح عليك التقنية ولا تطلب منك إصلاح الروح. يمكن أن تبقى كما أنت وتتمتع بالتقنية”، تماما كسائر القتلة، من داعش إلى بوكو حرام، فهم يقبلون على كل المستحدثات العصرية فيما الروح خاوية والنفس مظلمة والعبادة مجرد طقوس.

في مقال لها بجريدة لوفيغارو عنوانه “الشاعر الذي كان يخرس المتعصبين” كتبت ناتاشا بولوني تقول: “لم يكن عبدالوهاب المؤدب فقط ذلك الصوت الذي يقترح على المستمع ثراء الحضارة العربية الإسلامية بدقة العالم وحماس الشغوف، بل كان أيضا، عبر نصوصه ومقالاته ومداخلاته، ذلك الذي يرجّ بلا هوادة قناعات الذي يريدون الخلط بين الإسلام والأصولية، سواء بغرض تبنيه أو التنديد به”. رحم الله عبدالوهاب المؤدب.


كاتب تونسي مقيم بباريس

15