المتعصبون والمنتقمون

الأربعاء 2017/06/21

أفكر وأنا أرى وأسمع ما يصرخ به البعض ممّن يرفعون رايات الثأر والانتقام بوجه المختلف عنهم فكرا وعقيدة، أفكر حقا لو أنني أم ثكلت بمقتل ولدها، وحصل أن أحضروا قاتل ولدي أمامي وطالبوني أن أقرر مصيره وما نفعل به، فكيف سأتصرف حينها؟ ناقشت الأمر من جهة العاطفة، وجادلت عقلي من جهة المنطق، فقررت أن أسامح هذا المخطئ ، ليس من باب الفضل عليه، أو إظهار منّة على أحد، بل من جهة الإشفاق على كائن تخلّى في برهة جنون عن إنسانيته، الإشفاق على عقله القاصر وتفهم محنته في ارتداده إلى ضراوة الوحوش، وقلت أيضا ما الذي سأجنيه إن أعدموا القاتل وشابهتني والدته؟ توصلت إلى أنني سأدعه يعيش ليكفر عن خطيئته ويتدرّب كيف يكون إنسانا سويا مقابل موقفي منه. هذه حكاية افتراضية، لكنها حصلت على أرض الواقع مع سيدة أيرلندية التقت بقاتل والدها بعد ثمانية عشر عاما، كان اللقاء الأول سيشكل صدمة لها لكنها قررت أن تفعل ما لم يفعله الآخرون، أجرت حوارات طويلة معه وباح لها بعذابه وروت له ما عانته، وتوصلا بعد لقاءات طويلة أن يؤسسا منظمة أو جمعية ويطوفا جهات العالم ويرويا قصتهما من أجل نبذ نزعة الثأر والانتقام لدى البشر وتقويم سلوك القتلة بالتسامح وتغيير وجهات حياتهم نحو أهداف أسمى من الثأر وإنزال العقاب.

\'لو طبقنا قانون العين بالعين لغدا العالم كله أعمى\' ولوجدنا أن لا جدوى من العيش في بلاد العمى والعميان والثأر الذي يستدعي ثارات

ماذا سيحصل إذا ما استعدنا في أوطاننا بعد طوفان الدم مقولة المهاتما غاندي الجليلة “لو طبقنا قانون العين بالعين لغدا العالم كله أعمى” ولوجدنا أن لا جدوى من العيش في بلاد العمى والعميان والثأر الذي يستدعي ثارات الأولين والآخرين بلا نهاية.

ما الذي قدمته لنا حكايات الاقتتال بين المختلفين من أمثولات أخلاقية؟ ما الذي فاض به تراثنا وذاكرة القصص والمرويات العتيقة من مواقف تشير إلى”إنسانيتنا” وتعزز قيمة الإنسان فينا؟ فهذه هند بنت عتبة لفرط ما ينضح قلبها بالكراهية وصفت بأنها آكلة الأكباد، والحقيقة أن الكره والبغض كانا يقتاتان على كبدها وفؤادها فعدمت قيمة أنوثتها الخلاقة وأمومتها المانحة وإنسانيتها وتحولت إلى كائن وسط بين البشري والحيواني لأنها لم تتقبل من يختلف معها في الاعتقاد والموقف، ومثّل ذلك المختلف خطرا مهددا يفضي بها ومن معها إلى الفناء. فمواجهة المختلف ونبذه وقتله تعني في مفهوم الثأر القبلي درء الخطر عن قناعات راسخة وعادات مستتبة في “جماعتنا أو قبيلتنا أو حزبنا أو طائفتنا” التي ننتمي إليها.

كان الإغريق يسمون كل من هو غير يوناني والغرباء حصرا بـ”البرابرة” ويعنون بهم من لا يتحدثون لغتهم ولا يعيشون في المدن ويجهلون السياسة أي إدارة المدن، وغالبا ما كانت القصص المأثورة تصور الأعداء والبرابرة بأشكال مسوخ نصف بشرية للتقليل من شأنهم، حتى أن كلمة إنسان لم تكن مستخدمة بمدلولاتها الراهنة كما يذكر ليفي شتراوس في كتابه سباق التاريخ أن “مفهوم الإنسانية حديث جدا ولم يحظ بقبول عالمي تام حتى اليوم”، فالإنسان لدى بعض القبائل هو من ينتمي إلى القبيلة ذاتها لأنهم جميعا الأعلى والأكثر عبقرية والأعظم، وهم خير الأمم، ويوصف الآخرون بأوصاف تحقيرية كونهم “أغرابا” و”أجانب”حتى أن كثيرا من الطوائف والقبائل ترفض تزويج بناتها وأبنائها للغرباء “الأدنى إنسانية” فأولئك مرشحون ليكونوا أعداء محتملين في أيّ لحظة.

كاتبة عراقية

14