المتغيرات والاعتراضات

جميع المتغيرات قد سبقتها وعود بالمتسع وبمفردات العدالة والحرية والسعادة والوفرة بل توسعت هذه الوعود لترضي النزعات الجماعية حيناً، وترضي حينا آخر من فاتته هذه الوعود.
الاثنين 2018/05/14
المتغيرات لم تقنع الإنسان بأنها توفر له المتسع الذي يشعره بإنسانيته (لوحة: عمران يونس)

كنت أقرأ كتاب “مجاز آخر” للدكتورة بلقيس الكركي، وهو كتاب يتحرك في فضاء معرفي واسع، وعند مقالة “البحث الفلسفي والترف ضروري” تحديداً، وجدتني أقف عند بيت للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، وهو شاعر مخضرم عاش في العصر الجاهلي وأدرك الإسلام، يقول فيه:

كيفَ باستقرارِ حُرٍّ ساخِطٍ/ ببلادٍ ليس فيها مُتَّسعْ. وتنقل الكاتبة عن الدكتور خالد الكركي قوله: إن الجزيرة العربية بأكملها، كانت أمام ذلك الشاعر، ومع ذلك لم يجد متسعاً.

إن البيت الشعري آنف الذكر وتعليق الدكتور الكركي عليه يضعان المتلقي أمام “المُتَّسَع” فكرة وواقعاً، ومن الطبيعي أن المتسع ليس هو المكان، سواء كان صحراء واسعة، أم مدينة عملاقة، وليس هو النظام الذي يفرض رؤية ما على المكان وعلى الحياة الاجتماعية في ذلك المكان، وإذا كان المتسع يعني الحرية في صورة من صورها، فإن المتغيرات التي عرفتها النُظم على امتداد التاريخ الإنساني، لم تقنع الإنسان بأنها توفر له المتسع الذي يشعره بإنسانيته.

لذا فقد شهدت جميع المتغيرات في التاريخ الإنساني، سواء كانت متغيرات كبرى أم متغيرات محددة بجغرافيا ما، مَنْ يعارضها ويتمرد عليها، في الفكر والممارسة، متهماً إياها بتضييق المتسع، وطالما تحولت المعارضة المتمردة إلى وعد بمتسعٍ أيضاً، لكنها حين تصل إلى السلطة لا تستطيع تحقيق وعدها بالمتسع، حتى وإن كانت صادقة في ذلك الوعد، وتجد من يعارضها ويتمرد عليها بالوعد ذاته.

إن جميع المتغيرات، وهنا أؤكد على القول، جميع المتغيرات، قد سبقتها وعود بالمتسع، وبمفردات العدالة والحرية والسعادة والوفرة، بل توسعت هذه الوعود لترضي النزعات الجماعية حيناً، وترضي حينا آخر من فاتته هذه الوعود، بوعد بعالم آخر، لكنها في الحالتين لم تستطع أن تحول دون من يعترض ويتمرد عليها ويدعو ويعمل على تغييرها، ويستبدل وعودها بوعود أخرى.

ومن المحير والمؤلم حقاً، وهذا ما أدركته مما أشارت إليه الدكتورة بلقيس الكركي، أن المتغيرات مستمرة باستمرار الزمن، ولكن الجميع يواجهون الاعتراض عليها بالعنف المادي والتعنيف الفكري

إن المتسع، وكما قلت من قبل، ليس هو المكان وليس هو النظام، وإنما يشمل الفكر والإبداع والسلوك وتوزيع الثروة، وما يُضيِّق هذا المتسع ليس السلطة وحدها، بل جميع من يظن أنه سلطة في الفكر والسلوك والذائقة، وأن كل ما يقوله أو يراه هو الحقيقة الكاملة، وبخاصة حين ينسب ما يقول وما يرى إلى المقدس، الذي لا يأتيه الباطل من أي الجهات، وهنا لا أحيل المقدس إلى ما هو ديني فحسب، بل وكما نعرف إن الكثير من المقولات والموروثات والأفكار والقوانين والتقاليد وغيرها، تمنح صفة القداسة ويدان من لا يلتزم بها أو من يحاول محاورتها بمقياس العقل.

ومن المحير والمؤلم حقاً، وهذا ما أدركته مما أشارت إليه الدكتورة بلقيس الكركي، أن المتغيرات مستمرة باستمرار الزمن، ولكن الجميع يواجهون الاعتراض عليها بالعنف المادي والتعنيف الفكري، حتى كأن الواقع يتغير بين الحين والحين، ومن محيط جغرافي إلى محيط جغرافي آخر، لكن الذي لا يتغير هو مواجهة المعترضين بالعنف والتعنيف.

لطالما أيقنا، وما أكثر الذين اطمأنوا إلى يقين بأن ما يكتب هو السبيل إلى تغيير يوفر المتسع، ولقد قرأنا كثيراً وكتب بعضنا ما يُقرأ، غير أن كل ما قرأنا وكل ما كتبه بعضنا لم يجعل لنا في الواقع الذي نعيش متسعاً بحجم أحلامنا ومتمنياتنا، وإنْ كنا مثل مئات الملايين من بني البشر، ما زلنا نحاول، فنفكر ونعمل بالقدر الذي نستطيع من أجل أن نرى في الواقع الذي نعيش ما يجعلنا متصالحين معه.

إن ما ذهبت إليه في هذا العمود الثقافي، ليس إطلاق حكم على ما أدركت، ولكنه يكاد يكون سؤالاً يتشكل في ضوء هذا الإدراك، وهذا السؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يحث على التفكير ونقد ما يحاول بعضنا تحويله إلى ثوابت.

14