المتغيرات والتعصب والانغلاق

السبت 2017/05/27

يوم نُشِرَ ما كتبته بعنوان “نقد الذات” في صحيفتنا “العرب”، تلقيت من بعض الأصدقاء آراء تتباين في تقويمه، وهذا أمرٌ طبيعيّ، فلكل منا وعيه الذي يدرك به جوهر ما يقرأ.

وقد توقفت عند ملاحظة د. سلمى الجنابي التي كتبت إليَّ “ألم تخش أن يكون ما ذكرته في مقالتك ‘نقد الذات’ غطاءً للتراجع، بل للقفز، وأن تتغطى الانتهازية بغطاء نقد الذات؟”.

يومها شكرتها على ملاحظتها، ووعدتها بأنني سأقف عندها وأفيد منها، مع أنني رأيت نقد الذات وحددته، حين يصدر عن وعي حقيقي بالمتغيرات، يدركها ويمارس النقد الذاتي على القول والممارسة، وفرَّقت بينه وبين التراجع الذي يصدر عن موقف انتهازي، مصدره المصلحة والقفز من منبر إلى آخر، من دون قناعة أو قدرة على الإقناع.

وهذا يعيدني إلى حوار مع الروائي الفرنسي آلان روب غرييه أجراه جان مونتالبتي ونشر في مجلة “ماغازين ليتيرير” وترجمه إلى العربية الأستاذ محمد صوف، تحدث فيه روب غرييه عن نشأته في محيط أسري، يميني متطرف، وهذه النشأة قادته إلى مواقف بالتبعية وليس بالوعي، منها موقفه من احتلال بلاده، فهو كما يقول، أدرك ما لم يكن أدركه من قبل “حين اندحرت أيديولوجيات اليمين سنة 1945، واكتشاف المعسكرات وتعرية وجود دموي فظيع، كان يختفي خلف مظهر نظام نظيف وصحيح، وهي الصورة التي كانت تسعى ألمانيا النازية إلى تقمصها تحت الاحتلال”.

ويقول في الوقت ذاته “كنا نعلم أن هناك معسكرات روسيا السوفيتية، مقابل المعسكرات النازية” وهو أمر صحيح، لكن وكما أدركنا ذلك، فالذين تعصبوا للتجربة السوفيتية كانوا لا يدركون هذا الواقع، مثلما لم يدرك روب غرييه اقترافات السلطة النازية، وكانوا يعدونه من افتراءات الأعداء، ولم يتداولوا ما كان في المرحلة الستالينية -على مضض طبعاً- إلا بعد أن رفع نيكيتا خروشوف، الغطاء عنها.

إن التعصب والانغلاق والاعتكاف في الذات، ليس في ما هو سياسي فقط، بل في كل مناحي الحياة، في الدين والمعرفة والحياة الاجتماعية، حيث تكون الحقيقة عند المتعصبين المنغلقين المعتكفين في ذواتهم، مقتصرة على ما نشأوا عليه ووجدوا عليه الآباء، وما لقنوا به، ويرون في سواه كذباً ووهماً وكفراً، كما يرون في من يخالفهم عدوًّا ينبغي اجتنابه، بل اجتثاثه.

ومن أسوأ حالات التعصب والانغلاق عدم رؤية المتغيرات، والعجز عن إدراكها ورؤية القادرين على إدراكها، منحرفين وخارجين عن سواء السبيل.

إن التعصب والانغلاق والاعتكاف في الذات، تكون في الفرد وتكون في الجماعة أيضاً، وهي تخرب الكيان الذي تنتسب إليه وتظهر في محيطه، لكنها لا تعطل المتغيرات التي تحدث بفعل عوامل موضوعية، لا توقفها النيات ولا يؤثر التعصب في مسارها، فإن حدث مثل هذا التأثير، كان محدوداً وهامشياً ومرحلياً، وفي جميع المتغيرات، في الماضي والحاضر، ظلَّ المتعصبون الذين توقف وعيهم في الماضي، يرون في هذه المتغيرات، خطأً طارئاً، وحالة عابرة، لا بد أن تهزم وينطوي زمنها، ويعود الماضي كما كان، ولطالما انتظروا معجزة وراء هذه العودة.

إن انتظار المعجزة أو انتظار مؤثرات غير موضوعية، تجعل منهم مجموعات من العاجزين أو الحالمين الذين يستهلكهم الماضي وذكرياتهم فيه وأحاديثهم عنه، يكررونها، فتحول بينهم وبين وعي فاعل قادر على إدراك المتغيرات والتعامل معها.

ومن صفات المتعصبين المنغلقين رفضهم أي ممارسة نقدية تصدر عن وعي حقيقي، سواء تعلقت هذه الممارسة النقدية بأفكارهم أو بممارساتهم، وقبل ذلك بانحرافات الماضي الذي يتشبثون به، ويعدون هذه الممارسة إساءة إلى مقدساتهم وتجديفاً بها.

لذا لو توقفنا عند الكثير من تجاربهم ، لوجدنا أن المتغيرات الموضوعية تتواصل، والذين لا يدركون جوهرها ينتهون إلى غياب.

كاتب عراقي

16