المتكلم والفيلسوف والأصولي.. صراع في العلن وتوافق في الخفاء

تزخر الحضارة الإسلامية بحراك فكري بارز، يمكن تلخيصه في ثلاث شخصيات هي المتكلم والفيلسوف والأصولي، ورغم ما يبدو من تنافر بين طبائع هذه الشخصيات إلا أنها تشترك في صراعاتها بأنها صاغت منظومة فكرية مختلفة وفريدة للحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها.
السبت 2018/07/28
ابن رشد لم يؤسس وحده الفكر العربي

قامت الباحثة ماجدة عمارة، بإعداد دراسة بعنوان “المتكلم والفيلسوف والأصولي”، والدراسة كما يتضح من العنوان المثير للجدل تبحث في الدور والأثر الذي قام به كل من علم الكلام، والفلسفة، والأصولية في الحضارة الإسلامية.

يقول الدكتور عمار علي حسن في مقدمته للكتاب “في خمسة خطوط توازت حينًا، وتلاقت حينًا، سار المتكلم والأصولي والفيلسوف والمتصوف والأديب في رحاب الحضارة العربية الإسلامية على مدار سبعة قرون، وكل منهم لا يلغى الآخر، حتى لو ناصبه العداء بعض الوقت، فرغم مماحكات ومشاحنات الأفراد المنتمين إلى هذه المسارات الخمسة، بفعل الغيرة والضغينة والصراع على عقول الناس وقبلهم حجر السلطان، فإن المجتمع ظل حاضنًا للكل، وحريصًا بشكل آلي وعفوي متجدد على أن يُبقى الجميع موجودين”.

أسئلة في الحضارة

يتضح من فصول الكتاب الخمسة تعدد المسارات الفكرية في الحضارة الإسلامية، رغم أن مصدر التشريع واحد، في كتاب واحد هو الكتاب المقدس، تقول الباحثة “هذا ما نود أن نتوافق عليه بداية، إذ إننا نريد في هذه الدراسة أن نتبين ذلك الحد الفاصل بين ‘المقدس” و’المؤنسن’، أي بين الشريعة المنزلة من عند الله، والفكر الإنساني الذي قام عليها وأعمل فيها العقل”.

وتتطرق الكاتبة في الفصل الأول من مؤلفها إلى قضية “التشريع بين السيادة الروحية للدين والسلطة الزمنية للخليفة”، مبيّنة الأداء المفاهيمي لمصطلحي “السيادة” و”السلطة”، ومفسرة معاني الخلافة وسلطة التشريع، والتحولات التاريخية لدول الخلافة وأثرها في الفكر التشريعي، وصولا إلى التشريع للحضارة المأزومة: بمعنى التشريع في الأزمة وأزمة التشريع.

وتطرق الفصل الثاني إلى معنى “الرؤية” في اللغة والاصطلاح، ورؤية العلوم بوجه عام (الرؤية التصنيفية للعلوم)، كما بحثت عمارة في الموقف من الدنيا كمقدمة للموقف من العلم، ومسألة العلم بين العقل والشرع وغيرها مما يتعلق بالتشريعات الإسلامية.وتناولت الباحثة في ثالث فصول كتابها مفاهيم فلسفية، مثل مفهومي العلة والسبب، وتضمن هذا الفصل عدة أقسام درست عددا من القضايا الفكرية الهامة مثل الموقف من العقل كإطار لمفهوم السببية والعلية، والرؤية الأصولية لمفهومي السببية والعلية، والرؤية الفلسفية لمفهوم السببية: شرح ابن رشد للعلل الأربع عند أرسطو ومقاصد الشريعة الأربعة عند الشاطبي والصلة بينهما، ثم تناولت مفهوم “المصلحة” بين تمظهرها كـ”علامة” للحكم الجدلي الظني، أو كـ”مبدأ” للحكم البرهاني القطعي؟.

إذا أردنا أن نشرّع لأزماننا علينا أن نفعل ذلك وفقا لقدرة علومنا ومعارفنا في كل عصر ومتغيراته على فهم الشريعة الثابتة

وتفكك الكاتبة في الفصل الرابع “منهج الاستقراء والنقلة المعرفية من الجدل إلى البرهان”، لتختتم بحثها بفصل خامس عنونته بـ”فتوى براءة الفلسفة وفتح الباب لاجتهاد العقل”، وتضمن عددا كبيرا من الفتاوى على اختلاف أنواعها سواء في الشأن العام، أو السياسة والمجتمع، وفتاوى العلاقات الأسرية وغيرها.

ثلاث شخصيات

تتوقف الكاتبة في بحثها عند قضايا مثيرة للنقاش، وتطرح أسئلة تستوجب التأمل مثل: هل الحضارة الإسلامية هي حضارة فقهية؟ ذلك أنها قد قامت على الدين، فتكون عندئذ حضارة الفقه والفقهاء، أو أننا يمكن أن نجد لها مسميات أخرى إذا بحثنا في تعددية المنتج الحضاري وثرائه عند المسلمين في تراثنا؟ كما تتساءل إن كان العقل الإسلامي عقلا فقهيا، بمعنى أنه ليس بمقدوره التفكير في المطلق خارج نطاق النص الديني، وعندئذ ينظر إلى النص
كقيد على العقل، أم أن هذا النص ذاته هو الذي فتح للعقل المسلم آفاقًا رحبة لم يرتدها أحد من قبله، وذلك من خلال إيمانه بالوحي المقدس.

كما تكشف الباحثة أوجه “الفقه الإسلامي وأصوله” متسائلة عن تشكله كعلم، وإن كان ولد مكتملاً منذ لحظته الأولى، وبالتالي لم يتطور ولم يضف إليه جديد، ويتعلق هذا التساؤل بتلك التهمة التي ألصقها المستشرق جوزيف شاخت بعلم الفقه وأصوله، وهي أنه فقه استاتيكي ولد مكتملاً دفعة واحدة، مشيرًا من طرف خفي إلى مصدره الإلهي، ويعنى به “القرآن الكريم”، و”السنة النبوية” المدونة بعده بفترة زمنية، كما يزعم أنهما كانا السبب وراء عدم تطور هذا الفقه.

الحد الفاصل بين "المقدس" و"المؤنسن"
الحد الفاصل بين "المقدس" و"المؤنسن"

وتوضح عمارة أنه لا يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات إجابة شافية؛ إنما فقط هي تقوم بمحاولة المضي على طريق البحث والدراسة من خلال إلقاء الضوء على ثلاثة مسارات سلكتها ثلاث شخصيات مهمة في تراثنا الفكري الإسلامي، كان لكل منهم لحظته التاريخية الخاصة، ومساره الفكري الخاص، وعلى الرغم من أن كلا منهم قد انخرط في حقله المعرفي الخاص به من بين الحقول المتعددة التي شغلها تراثنا الفكري الإسلامي، إلا أن الفكر التشريعي قد جمعهم معًا في طريق واحد.

الشخصيات الثلاث التي ترد في الكتاب، وأثرت في تراث الفكر الإسلامي، هم الإمام “الغزالي”، والفيلسوف “ابن رشد”، والإمام “الشاطبي”، وهم بحسب ترتيب ألقابهم في عنوان هذه الدراسة: المتكلم، الفيلسوف، الأصولي، وذلك بحسب المسار الذي سلكه كل منهم على درب الفكر التشريعي الإسلامي.

هكذا تُميز الباحثة أن مسار الفكر التشريعي عند الإمام الشاطبي بأنه مسار “الأصولي” الذي يجمع علم الأصول السابق عليه جنبًا إلى جنب مع ذلك التجديد التشريعي الذي توصل إليه ابن رشد في مساره.. تقول المؤلفة “يمكننا أن نتبين في ثنايا هذه الدراسة كيف استطاع الإمام الشاطبي بتوجهه العلمي ذي الصبغة التصالحية التي مكنته من الاطلاع على كافة توجهات ومسارات العلم السابق عليه بأريحية وحياد لا يبتغي إلا وجه الله ولا يروم من العلم إلا ما ينفع الناس، حتى استطاع في نهاية السير أن يجدد في الأحكام ويخرج علينا بتوجه مختلف في الفتوى لمسناه في آخر هذه الدراسة”.

من خلال تقديم المؤلفة لعرض مقارن للفتاوى التي انتهى إليها كل مسار من مساراتنا الثلاثة، كل منها وفقًا لتوجهه، تبين للباحثة في النهاية أن هذه التشريعات، ما دون النصوص الدينية قطعية الثبوت
قطعية الدلالة، إنما هي نتاج إعمال البشر لعقولهم وأفهامهم، تتبدل مساراتها الفكرية وتتغير وفقًا لمرجعياتهم البشرية، لذلك فإنه ينبغي علينا الاحتراز من كل ما نتوصل إليه بالفهم والعلوم والمعارف لأنها جميعًا متغيرة لا تتمتع بصدق وثبات الوحي المنزل من عند الله مهما بلغت درجة اليقين والقطع فيها.

تقول ماجدة عمارة “علينا أن نشرع لأزماننا وفقًا لقدرة علومنا ومعارفنا في كل عصر ومتغيراته على فهم الشريعة الثابتة، إيمانًا منا بأن الفكر متغير، ويبقى لما أنزل من عند الله وحده القداسة والتنزيه، نعمل فيه عقولنا وأفهامنا لنستقي منه تشريعاتنا ثم نتركه محفوظًا بثوابته لمن يأتون بعدنا فيعملون فيه عقولهم وأفهامهم بدورهم مستخدمين، مثلنا ومثل من قبلنا، مناهجهم ومتغيرات أزمانهم وفقًا لمرجعياته الأصلية الثابتة ومنزلته السماوية المقدسة”.

الجدير بالذكر أن كتاب “المتكلم والفيلسوف والأصولي”، للباحثة ماجدة عمارة صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2018، ويقع في نحو 215 صفحة من الحجم المتوسط.

15