المتنبي شاعرا وشارعا

الخميس 2016/03/31

المكان الثقافي واجهة حضارية لكل بلد وقراءة مفتوحة تتيح للآخر أن يرى جزءا من الوميض الثقافي وجوهره مثلما هو أثر حياتي لا يمكن الاستغناء عنه، كالمتاحف والمكتبات الكبيرة والمواقع الأثرية والشواخص الثقافية والتاريخية والعلمية المختلفة، وتدخل في ذلك حتى المقاهي الثقافية ذات التاريخ العريق التي أوجدت تجمعات أدبية ومعرفية ومن خلالها صدرت بيانات شعرية وحركات فنية ومدارس ثقافية عامة، بل وحتى حركات سياسية معارِضة كونتها المقاهي بوصفها حاضنة مكانية توفرت على شروط المكان الملائم لزرع جينات الحداثة بأنواعها المعرفية الكثيرة.

لم يبقَ من بغداد غير شارع المتنبي مكانا ثقافيا يجذب إليه الخاصّة والعامّة، فتحول من شارع إلى تظاهرة ثقافية واجتماعية بل وتظاهرة سياسية أيضا تُلعَن فيها الحكومة والأحزاب الطائفية على مدار كل جمعة، ومن أثر عباسي قديم إلى شارع تتوفر فيه شروط الحداثة وجمالياتها كمكان ثقافي أنموذجي جلب إليه قطاعات مجتمعية واسعة من البغداديين وسواهم من عراقيي المحافظات القريبة من العاصمة. ومن أثر عثماني كإسطبل لخيول الجندرمة العثمانيين إلى فضاء معرفي واسع جدا.

تحول المتنبي الشاعر إلى المتنبي الشارع الأهم في بغداد والعراق كله بعدما أقْفلت منافذ السياحة والمتاحف والشواخص الأثرية الكثيرة في العراق، ليكون المتنبي الشاخص الأعلى باسمه الشعري قديما وحديثا ورمزا أدبيا أسطوريا لا مفر من الانحناء أمام عطاءاته الشعرية المعروفة. لكن شهرته الأكبر بدأت منذ الهجوم عليه في يوم 5 مارس 2007 من قبل عصابات القاعدة التكفيرية والذي أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثين شخصا من الكتبيين وأصحاب المكتبات والمتبضعين وتدمير مكتبات بكاملها كالمكتبة العصرية وحرق مطابع قديمة لها رائحة التاريخ القديم. الأمر الذي لفت أنظار العالَم إلى هذا الصرح الحضاري الأثري وعلى إثره تشكل تحالف عالمي فني لإحياء هذه الذكرى الأليمة في ذلك التاريخ الأسود.

المنفذ الرئيسي لشارع المتنبي هو يوم الجمعة حيث يتحول إلى مهرجان كُتُبي يمكن أن تجد فيه أحدث إصدارات بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد في شتى العلوم والمعارف، كما يتحول إلى مكان أدبي ثقافي معرفي بلقاء الأدباء والأكاديميين والمثقفين والصحافيين والقنوات الفضائية المتعددة وكذلك الأدباء العرب والأجانب ممن يزورون بغداد، مثلما يصبح شارعا اجتماعيا ترتاده الأسر البغدادية بوجود حديقة القشلة وساعتها الأثرية التي أعيدت الحياة اليها، كما أن وقوع الشارع على نهر دجلة من رأسه الأخير أضفى عليه جمالا خاصا بوجود تمثال المتنبي الذي أصبح مناسبة لالتقاط الصور والتجمهر حوله. هذا هو الأثر الثقافي الوحيد في بغداد بالرغم من وجود العشرات من المكتبات والصروح والأبنية التراثية، إلا أن شارع المتنبي أصبح حاضنة ثقافية وفنية عالمية تقام في ردهاته الندوات الأسبوعية وتمتد على طول شارعه الكتب القديمة والحديثة.

ومن أجمل ثمرات هذا الشارع هو امتزاج الثقافي بالاجتماعي؛ حيث أصبح مـحجة أسبوعية للأسر البغدادية ورئة عامة لتنفُّس رائحة مكان عمره أكثر من 700 سنة مازال يتدفق حيوية ونشاطا وثقافة مجتمعية عامة.

في كل البلاد العربية يمكن أن يكون ليوم جمعتها أو يوم عطلتها صرح ثقافي بشارع يأخذ اسم أحد أدبائها أو علمائها أو رموزها الثقافية، وفي بلادنا العربية أسماء مهمة وكبيرة وعالية الحضور الأدبي والثقافي عربيا وعالميا ولا ضير أن يكون أحد شوارعها باسم شاعر أو روائي أو باحث أو ناقد بملتقى ثقافي أسبوعي بدلا من المقاهي التي لا يرتادها الجميع.

نظن أن شارع المتنبي البغدادي هو الأنموذج الجمالي العربي حتى الآن في إشاعة الثقافة وتقريب المجتمع إليها بتوفير الكتاب القديم والحديث وفتح الآفاق الإنسانية والمعرفية أمام الجميع. بالرغم من ظروف العراق السياسية في حكومة وبرلمان لا يأبهان بقصة الثقافة ومشتقاتها!

كاتب من العراق

14