المتنبي والكمبيوتر

الأربعاء 2015/12/30

عندما يجلس الإنسان أمام الكمبيوتر ويبحر في الشبكة العنكبوتية، سيجد نفسه في عالم بلا حدود من المعلومات والصور والأصوات التي يستطيع أن يسترجع منها ما يشاء في دقائق محدودة بل وفي ثوان قليلة، وصارت الإنترنت بمواقعها البحثية العديدة عالما للسياحة المعرفية يمكن للمرء أن يتجول فيها بلا حدود ولا قيود، ويستطيع المرء أن يسأل عما في ذهنه من تساؤلات وقضايا يريد أن يعرف تفاصيلها أو أسرارها، ليأتيه الجواب في ثوان، وأكثر حتى مما كان يريد معرفته.

أصبح موقع البحث الشهير “غوغل” من أهم مصادر المعرفة ومرجعا لا استغناء عنه، بل إن كلمة غوغل تحولت إلى اسم وفعل في جميع اللغات، فصار المرء إذا واجه كلمة أو اسما أو مصطلحا يجهله أو لا يعرف عنه إلا القليل، يقال له (غوغل لها)! يعني كلمة غوغل أصبحت فعلا يتم تصريفه مثل بقية الأفعال في اللغة: يغوغل ..غوغَلَ .. غوغلنا .. نغوغل .. وفعل أمر: غوغلْ

بل إن محركات البحث المتنوعة على الإنترنت حولت المكتبات في بيوت الكثير من الناس إلى مجرد ديكور ورفوف جميلة تتراصف عليها الكتب الملونة التي لم نعد نرجع إليها إلا نادرا بالرغم من أهميتها وقيمتها الفكرية.

أمامي الآن رفوف عديدة عليها العشرات من الكتب الجميلة ذات الموضوعات المتنوعة، وهي كتب اشتريتها طوال سنوات بناء على رغبة أو حاجة أو نصيحة، لم أعد أتناولها كما كنت أفعل في الماضي، فقد عوضتني عنها الإنترنت، كما سهلت علي عملية البحث، مجرد طبع كلمة على الشاشة ليتدفق علي سيل من المعلومات والمصادر وحتى الصور والأصوات واللوحات والخرائط.

أنا أقضي الآن على الأقل أربع ساعات يوميا أتجول في الإنترنت أبحث أحيانا عن قصد معلوم أو أتجول عشوائيا، فتقودني الكلمة الواحدة إلى كلمات وأبواب ومجالات وفروع لها بدايات بلا نهاية.

كما أن التطور الإلكتروني المذهل جعل من أجهزة الهاتف في جيوبنا كمبيوترات ذكية نتصفح من خلالها مواقع البحث والتحري، وكأننا نحمل معنا أينما توجهنا مكتبات متكاملة سهلة التصفح والمراجعة.

منذ أيام كنا في مقهى، ودار الحديث في جمعنا، عن المتنبي وأردنا أن نتذكر القصيدة المنسوبة إليه في ذم أم ضبة والتي يقال إنها كانت سببا في قتله على يد فاتك الأسدي الذي أزعجه ذم المتنبي لأخته أم ضبة بقوله “ما أنصف القوم ضبة وأمه الطرطبة”.

وببساطة مألوفة فتحت الهاتف على صفحة غوغل وكتبت كلمة MUTANABI فظهرت أمامي سلسلة من الموضوعات تتناول المتنبي من جوانب مختلفة، مبوبة بشكل يسهل الرجوع إليها والبحث بين صفحاتها، فبالإضافة إلى حياته وشعره والدراسات عنه وشرح اليازجي لقصائده هنالك فهارس وإحصاءات مبتكرة ومفيدة مثلا أن المتنبي ذكر كلمة السيف في شعره 160 مرة والقلب 159 مرة والموت 80 مرة، بينما ذكر كلمة الحياة 47 مرة فقط والهوى 60 مرة، ولم ترد كلمة الحب في شعر المتنبي سوى 32 مرة!

ومن المعلومات الطريفة تلك المتعلقة ببحور الشعر حيث يظهر أن أكثر ما نظم المتنبي على بحر الطويل، فقد نظم 55 قصيدة تقع في 1268 بيتا وأقل ما نظم في بحر الرمل والمديد مجرد بيتين أو ثلاثة في كل منهما، أما من حيث القوافي فأكثر ما جاء منها على حرف اللام (48 قصيدة في 1192 بيتا) ثم حرف الميم (40 قصيدة في 960 بيتا) منها بيت الشعر المكتوب على مدخل قبره في دير العاقول بالقرب من النعمانية: أنا الذي نظر الأعمى إلي أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

وهكذا قادتنا الإنترنت من على شاشة الهاتف الصغيرة إلى تفاصيل عن المتنبي ما كان بإمكاننا إحصاء بعضها لولا سهولة الوصول إليها عبر صفحة غوغل وأخواتها.

18