المتهربون من النفقة يحرمون من الخدمات الحكومية في مصر

الحكومة المصرية تضاعف من التصعيد ضد الرجال لصالح المطلقات بأن قررت تغليظ عقوبة التهرب من النفقة الأسرية، لتصل إلى الحبس والغرامة المالية.
السبت 2019/07/13
مثابرة لتوفير الضروريات

القاهرة - اتخذت الحكومة المصرية إجراء غير مسبوق للقضاء على ظاهرة تسول المطلقات لنفقتهن، بأن قررت حرمان الرجل الذي صدر ضده حكم بالنفقة ولم ينفذه، من الاستفادة من الخدمات الحكومية حتى دفع النفقة لمطلقته، ومساعدتها في تدبير مصروفاتها وأبنائها.

وضاعفت الحكومة من التصعيد ضد الرجال لصالح المطلقات بأن قررت تغليظ عقوبة التهرب من النفقة الأسرية، لتصل إلى الحبس والغرامة المالية، مع محاكمة هؤلاء بتهمة “ارتكاب جريمة”، وليس مجرد جنحة.

ونصت تعديلات قانون العقوبات، التي أقرها مجلس الوزراء ووافقت عليها اللجنة التشريعية بمجلس النواب قبل أيام، على أن “كل رجل صدر ضده حكم قضائي واجب النفاذ بدفع نفقة لزوجته أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن وامتنع عن الدفع مع قدرته عليه، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة مالية”.

وتفضي التعديلات الأخيرة إلى تعليق استفادة المحكوم عليه من الخدمات المطلوب الحصول عليها عند ممارسته نشاطه المهني، والتي تقدمها الجهات الحكومية والهيئات العامة ووحدات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والجهات التي تقوم بخدمات المرافق العامة، حتى يؤدي ما تخلد في ذمته لصالح المحكوم له (المطلقة) وبنك ناصر الاجتماعي (حكومي).

وصدر قرار حكومي بقيام البنك بصرف حوالي 30 دولارا كحد أقصى للمطلقة في حال امتناع زوجها السابق عن الدفع لحين تحصيل المستحقات منه، أي أن التعديلات الحكومية الأخيرة وإن كانت تستهدف إنقاذ أسر الأزواج المنفصلين من الانهيار، فإنها أيضا تنقذ الجهة الوحيدة التي تساعد المطلقات (بنك ناصر) من خطر الإفلاس في حال تكرر صرف أموال مستحقات النفقة، وسمحت الحكومة بملاحقة الرجال غير المنتظمين في السداد.

وحظيت العقوبات الجديدة بتأييد المنظمات النسوية والمجلسين القومي للمرأة والقومي للأمومة والطفولة، لأنها تساعد عمليا في وقف تهرب الرجال من سداد النفقة، ما يسبب عجز الكثير من المطلقات عن توفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة الكريمة لأبنائهن، خاصة إذا كانوا في المدارس أو صغارا، وضمان كرامة الأم وأبنائها، كان يتطلب وجود آلية لردع المتهربين من النفقة.

ورأى حقوقيون أن ردع المطلقين المتهربين من النفقة الزوجية واجب أخلاقي وإنساني على الحكومة لإنقاذ الآلاف من الأسر من التشرد، لكن المشكلة في التعديلات الجديدة أنها فتحت الباب أمام القضاء لحبس الزوج الممتنع عن الدفع، لأن هذا الحل سوف يزيد الأزمة تعقيدا، فالمطلقة لن تستفيد شيئا من حبس طليقها، كما أن والد الأبناء سوف يحصل على لقب سجين، ما يؤثر عليهم سلبا في مسار حياتهم وداخل مؤسساتهم التعليمية.

وتقول الناشطة الحقوقية في مجال المرأة ومؤسسة حملة “أنقذوا المطلقات”، جيهان بسيوني، إن هناك بدائل كثيرة أمام الجهات الحكومية لانتزاع قيمة النفقة الزوجية من الرجال بعيدا عن الحبس لصالح أولادهم، منها استقطاع المبلغ من الراتب الشهري لو كان موظفا، أو زيادة الضرائب عليه إن كان تاجرا أو مستثمرا أو التحصيل باليد عن طريق مخبرين أو موظفين بالمحاكم.

ناشطون: التعديلات الجديدة للقانون تخدم المطلقات وأبناءهن
ناشطون: التعديلات الجديدة للقانون تخدم المطلقات وأبناءهن

وأضافت لـ”العرب” أن قرار منع الرجال من التعامل مع الجهات الحكومية يجبرهم على سداد النفقة دون تأخير، لاسيما إذا كانت استثماراتهم ووظائفهم تتطلب الاحتكاك بالجهات الرسمية، بالتالي لن يقبل أي منهم أن تتعطل مصالحه بسبب مبلغ النفقة الذي اعتاد التأخر في سداده بدافع العناد مع مطلقته أحيانا على حساب أولاده.

وأوضحت بسيوني أن التعديلات الجديدة للقانون تخدم المطلقات وأبناءهن، وتظل الإشكالية دائما في آلية التنفيذ، فهناك قوانين كثيرة في مصر يفترض أنها تحمي الكيان الأسري من الانهيار وغير مفعلة، أو تتضمن ثغرات عديدة، فمثلا، دفع الرجل نفقة لمطلقته أمر لا مفر منه، لكن المعضلة التي أغفلها القانون، هي كيف تثبت الأم حجم الدخل الحقيقي لزوجها السابق حتى لو كانت تعرفه بالتحديد.

ولم تستطع سهير حمدي، وهي أم لثلاث بنات من القاهرة، طوال عامين أن تقنع المحكمة بأن زوجها السابق يمتلك ثلاثة مراكز للدروس الخصوصية، تدر عليه ربحا شهريا يقدر بالآلاف من الجنيهات، لكنها حصلت بعد عناء شديد على وثيقة بتفاصيل راتبه الشهري من المدرسة التي يعمل فيها معلم.

وأشارت سهير لـ”العرب” إلى أن المحكمة قررت لها نفقة شهرية بـ36 دولارا، حسب راتب طليقها من المدرسة.

وتكمن معضلة المطلقات في الحصول على حكم بالنفقة، طول فترة التقاضي التي قد تستمر لعامين وثلاثة، وفي هذه الفترة لا تكل النساء من الذهاب للمحكمة التي تنظر في الدعوى لتقديم المستندات وطلب استعجال الحكم.

ويعيش الأزواج في فترة التقاضي حياتهم بشكل طبيعي بعيدا عن عناء تربية الأبناء وتوفير مستلزماتهم، ويستعينون بمحامين مختصين في القضايا الأسرية، للالتفاف على دعاوى مطلقاتهم، وتقديم وثائق ومعلومات غير حقيقية، بهدف تمديد أجل التقاضي لأطول فترة ممكنة، أو دفع المحكمة لتقليل قيمة النفقة.

ويقوم رجال بتقديم وثائق تثبت فصلهم من الوظيفة، بالاتفاق مع صاحب العمل سواء كان ذلك في شركة أو مهنة حرة، لدفع القاضي للحكم بمبلغ هزيل لصالح المطلقة، ويتعمد بعضهم كتابة شيكات وهمية وتقديمها للمحكمة للإيحاء بأن عليهم التزامات مادية وديونا، وغيرها من أساليب المغالطة للحصول على أحكام مخففة.

ويتهرب بعض المطلقين من دفع النفقة لشعورهم بأن حصول المطلقة على أموال بعد الانفصال، يعني انتصارها عليهم، ويغفلون أن النفقة مكرسة للأبناء، والتنصل من دفعها يعرض حياتهم للخطر، وهناك مطلقات يطردن مع أولادهن من السكن لعجزهن عن دفع الإيجار.

وترى المحامية المتخصصة في القضايا الأسرية أمل محمود، أن تأخير الفصل في قضايا النفقة الزوجية أشد خطرا على الأسرة من تهرب المطلقين من الدفع، فلا بديل عن التوسع في محاكم الأسرة، للقضاء على معاناة المرأة التي أصبحت تقضي وقتها بين مؤسسات القضاء وتربية أولادها والبحث عن مصدر دخل يساعدها على حماية أسرتها من التفكك بعد انفصالها.

ولفتت لـ”العرب” إلى أن اهتمام الحكومة بمحاسبة الممتنعين عن دفع النفقة يجب أن يتبعه إنقاذ المحرومات من الحياة الكريمة بتسريع الفصل في قضايا حكم النفقة مادامت الوثائق موجودة لأن ربات المنازل المطلقات في حاجة ملحة لمصدر رزق بعد الانفصال لأنهن يتسولن أحيانا لمواجهة أعباء الحياة وتوفير طلبات أبنائهن، بجانب أنهن يعشن في مجتمع لا ينصف المرأة المطلقة.

21