المثقفون التنويريون فشلوا والمرأة ضحية الجميع

الأربعاء 2014/09/24
الأطرش: لا استطيع ان أؤكد أو أنفي تراجع عطاء الكاتبات العربيات

تأتي رواية “ترانيم الغواية” الصادرة أخيرا عن” منشورات ضفاف”، لتستكمل ما يمكن أن نطلق عليه رباعية فلسطين في مسيرة الروائية ليلى الأطرش، “وتشرق غربا” و”امرأة للفصول الخمسة” و”رغبات ذاك الخريف”، وهي الرباعية التي تغطي عدة مراحل زمنية وتشكل نسجا إبداعيا لحيوات نساء ورجال فلسطينيين، حيوات إنسانية واجتماعية عاشت في مواجهة قهر وعدوان وإجرام الاحتلال سواء العثماني أو البريطاني أو الإسرائيلي، والضغوط الاجتماعية والفكرية والسياسية دون أن تفقد قدرتها على الصمود والعطاء.

الأطرش التي قدمت خلال مسيرتها الروائية ثمانية أعمال روائية من بينها “وتشرق غربا” و”صهيل المسافات” و”ليلتان وظل امرأة”، ترجم بعضها إلى الأنكليزية والفرنسية والإيطالية والكورية والألمانية والعبرية، وهي إعلامية مارست العمل الإعلامي المكتوب والمقروء والمرئي في التحرير والتحقيقات والكتابة الصحفية، وقد اختارها تقرير التنمية الإنسانية العربية الرابع حول المرأة، والصادر عن الأمم المتحدة، ضمن قلة من الكاتبات العربيات اللواتي تركت كتاباتهن أثرا واضحا في مجتمعاتهن، في سياق المشروع الروائي للأطرش كان لـ”العرب” هذا الحوار معها.


كتابة الزمن


بداية تقول الأطرش في رواية “ترانيم الغواية” يكتمل مشروع كتابة حياة الفلسطينيين في مراحل زمنية مختلفة، وهو يمثل جزءا أساسيا من مسيرتي الأدبية، التي بدأتها عام 1987، برواية “وتشرق غربا”، قصة حب بين مناضل فلسطيني مسلم وفتاة مسيحية، وهي حكاية امرأة فلسطينية عادية رومانسية في ظروفها الاجتماعية والسياسية والفكرية، في الفترة اللاحقة لنكبة عام 1948".

وتعتبر الأطرش أن هذا المشروع قد اكتمل “زمنيا” بفترة نهاية الحكم العثماني، ثم الانتداب البريطاني لفلسطين برواية “ترانيم الغواية”، حكاية البشر في مدينة القدس في زمن التحولات الكبرى والتقلبات السياسية العاصفة، وما تبعها من تغير اجتماعي وفكري بل وحضاري قبل أن يضيع الجزء الجديد منها ثم البلدة القديمة. هي رواية الصراع الأزلي بين المقدس والإنساني، صراع الأقوام والطوائف والعائلات في مدينة ولدت مقدسة، وعن صداقات النساء.. هي رواية العام من خلال الخاص بقصة حب عاصفة.

في الحروب التي تجتاح الوطن العربي، اليوم، بحجج مختلفة، الضحية الأولى هي المرأة ومكتسباتها

وتعتمد الكاتبة في سردها على تعدد الأصوات والضمائر والمذكرات الشخصية، والوثائق السرية والصور والأمكنة واختلاط الأزمنة، قصص قصيرة تؤلف في مجموعها حكاية العشق المحرّم في المدينة المقدسة. وتلفت الكاتبة إلى أنه في مجمل مشروعها الروائي برزت المرأة ضمن الظروف المفروضة على الإنسان العربي، الصراعات والحروب على أوطاننا بحجج مختلفة، والضحية الأولى هي المرأة ومكتسباتها، مهما كانت مكانتها الاجتماعية والثقافية. وتعتقد أن رواياتها رصدت حياة ومشاعر الرجل والمرأة في خطين متوازيين، لأنها تؤمن بالنسوية الاجتماعية التي تطالب بتحرر الرجل والمرأة في خطين متوازيين، وأن الراهن العربي يؤكد على مثل هذه الرؤية، وضرورة تحرير عقل الرجل العربي لتتحرر المرأة.

بين عناوين روايات الأطرش قاسم مشترك يتمثل في الغربة والقلق الوجودي وحول العلاقة بينهما الذي تعيشه حيوات رواياتها، وبين مجريات الأمور على الساحة العربية، تتساءل الأطرش: “ومن لا يعيش القلق ويشغله الوجود؟ والعربي يرى أحلامه الكبرى في أمة وقومية تتهاوى أمام انقسامات إقليمية ضيقة، وصراعات عرقية وطائفية وهويات مهددة. وفي غياب شبه جمعي للعقل العربي، وسيطرة شذوذ ديني أشبه بهجمة التتار على المنجز التنويري كله".

وتوضح الأطرش أن مستويات اللغة في أعمالها تختلف حسب تنوع الشخصيات، فلكل منها منطقها ولغتها، في رأيها، مما يتواءم وظروفها وثقافتها وتنامي وعيها. فلا يمكن أن يتحدث إنسان عادي بلغة المثقف، وإلا بدا خارجا عن سياق ذاته، وربما كان الوصول إلى لغة حوار تطابق تكوين الشخصية ولا تبدو نشازا، أكثر صعوبة واستغراقا للوقت من كتابة الرواية نفسها، خاصة إذا تعددت المستويات الفكرية والثقافية لأبطال الرواية.

وتلفت إلى أن اللغة الشاعرية في رواياتها هي لغة الراوي العليم، أو الشخصية المثقفة، مؤكدة أنها لغتها المفضلة وتمثل أسلوبها ورؤيتها وفكرها، حيث “لا تنسى، وأنت الأديب، أن العربية خصبة باشتقاقها اللغوي ومفرداتها وبلاغة صورها الفنية والحسية، مما يتيح للكاتب أن يتجلى في تصوير المشاعر والوصف، ودون أن يكون شاعرا بالضرورة".

الكاتبة تعتمد في سردها على تعدد الأصوات والضمائر والمذكرات الشخصية


الفن والظلام


وحول رؤيتها لإبداع الكاتبات العربيات وأسباب تراجع عطائهن في السنوات الأخيرة، تقول ليلى الأطرش: “لا أستطيع أن أؤكد أو أنفي تراجع عطاء الكاتبات، فليس لدي إحصائيات. لكن الواضح أن إنتاج الأدباء عامة في فترة ما سمي بالربيع العربي قليل، فالروائي يحتاج إلى هضم الحدث ليكتب عنه. فتعريف الرواية أنها خلق عالم مواز لذاك المعاش، أي أن يتخيّل الروائي عالما آخر معتمدا على أحداث الواقع، لكن تلاحق الأحداث السياسة الراهنة وتسارعها وقوة تأثيرها، يستهلك الوقت ويمنع التأمل، فإذا ابتعدت يوما عن الأخبار صرت خارج الحدث، وهذا استهلاك للوقت والتفكير معا".

وتؤكد الأطرش أن المشهد الثقافي وتفاعلاته يمثل انعكاسا للحال العربي، تشرذما ويأسا في هجمة التطرف المسلح والتكفير والرفض، وإحساس المثقف بالخذلان من فشله في تحقيق تأثير عميق في مجتمعاته، ثم استبدال دوره بـ”مفكرين ومحللين وخبراء” ينتقلون بين الفضائيات، بعضها موجّه حسب سياسة مالكها، وأخرى نشرت الفكر المتطرف والانقسام الديني، حتى بين الملة الواحدة، وما زال بعضها يقدم وجبات سياسية مباشرة تخلو من المعرفة والوعي بتأثير ما يقال فيها.

تقول الكاتبة: “إن مواجهة الوسط الثقافي العربي، التنويري والليبرالي وأحزاب اليسار، لحقيقة ضآلة تأثيرهم المجتمعي، وانحسار دورهم في النخب ونسبتها الضئيلة، خلقت الخيبة والخذلان، ومراجعة الحسابات، فاليسار العربي وحركات التقدم فشلت في مدّ جسورها إلى القواعد الشعبية، ثم عللت فشلها بنبل الفكرة وسوء التطبيق، والسؤال ما قيمة أي فكر إن لم يجد قاعدة شعبية واسعة تؤمن به، وبتضافر جميع الجهود؟ ودون أن أغفل ما جابهه أصحاب الفكر من محاربة السلطات العربية، أو التدجين، مستغلة أوضاعهم الاقتصادية”.

وتشير الأطرش إلى أن إيقاف نزيف الخراب الذي يجتاح الوطن العربي يتطلب من المثقف والمسؤولين عن الثقافة في الوطن العربي استغلال وسائط الاتصال الحديثة، لنشر الأفكار التنويرية والتقدمية، وكذلك تخلي المثقف عن سلبيته وخوفه وعن رقيبه الذاتي، أمام هذا الموج العاتي من الظلامية والعنف والتكفير واحتــكار الحقيقة.

وتوضح قائلة: «الفنون مجتمعة تستطيع إحداث التغيير، خاصة ذات التماس المباشر مع الناس؛ المسرح والسينما والتلفزيون والندوات الفكرية، والدينية التنويرية، والمعارض والروايات والقصائد والبرامج الثقافية غير التقليدية التي تبرز سير المفكرين والعلماء وأدوارهم وما تعرضوا له من قمع عبر العصور، ثم إحياء المطالعة بمشروعات كبيرة مثل “القراءة للجميع، أو مكتبة في كل بيت”، في دول الوطن العربي، وطباعة الكتب التنويرية، وبيعها للعامة بسعر رمزي جدا، على أن تتبنى وزارات الثقافة والمؤسسات الخاصة والبنوك هذه المشاريع، وأن يتخلى القائمون عليها عن المجاملة والشللية في اختيار الكتب.ثم المطالبة بإعادة تدريس الفلسفة في المناهج المدرسية والجامعات العربية، لأنها إعمال للفكر. وأعتقد أن الذائقة العربية العامة على استعداد لمثل هذا، فقد أدرك الناس هول التطرف، وقاسوا من الإرهاب والتكفير والعنف».

15