المثقفون السعوديون لايتوقفون عن تجديد مطالبهم بالتغيير

وزارة الثقافة السعودية تعيد هيكلة الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية والفنية.
الاثنين 2019/09/23
النوادي الأدبية تحتاج إلى التجديد

تعمل وزارة الثقافة السعودية على تكوين جمعيات ثقافية مركزية متخصصة في القطاعات الـ16 التي ترعاها، إضافة إلى تشجيع المثقفين والمبدعين في كافة المناطق على تكوين جمعيات متخصصة، بحسب اهتماماتهم وفق نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الصادر بمرسوم ملكي. “العرب” تستطلع آراء المثقفين السعوديين المتباينة حول إعادة هيكلة الأندية والجمعيات.

 أوضح وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبدالله آل سعود، في وقت سابق، أن من أهم أهداف الوزارة تطوير القطاع الثقافي، وأبرز خطواتها في هذا الصدد هو إعادة هيكلة الأندية الأدبية، إضافة إلى الجمعية السعودية للثقافة والفنون، كما تؤمن الوزارة بدور مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع غير الربحي، في دفع عجلة التنمية الثقافية، ونشر ثقافة المشاركة المجتمعية والمتخصصة، لذلك تعمل الوزارة على دراسة وضع هذه المؤسسات والتحفيز على تأسيس جمعيات ثقافية متخصصة بالتنسيق مع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية.

هذا التوجه سيحقق، بحسب تصريح الوزير، شمولية وزيادة في الإنتاج الثقافي التطوعي، وزيادة عدد مؤسسات المجتمع المدني، حيث ترى الوزارة أن هذا النظام يستطيع أن يستوعب هذه الأنشطة، ويكون بديلا للأنظمة المعمول بها في الأندية وجميعية الثقافة والفنون، وبقية الجمعيات، بل إن الجمعيات الجديدة ستكون استمرارا لها، وستبني ما حققته من منجزات طوال السنوات الماضية، كما أنه سيساعد على إحياء الجمعيات التي صدرت لها تراخيص ولم تتمكن من العمل بشكل فاعل حتى الآن.

وستتم إعادة الهيكلة للأندية والجمعيات الستة عشرة المتواجدة في مناطق السعودية المختلفة، والخروج بصيغة موحدة لجميع مناحي الشأن الثقافي، ما دفعنا إلى التساؤل هل يجد المثقفون فكرة البيوت الثقافية، أو المراكز الثقافية أجدى من الأندية والجمعيات بواقعها الحالي؟ وهل ستغير هذه التسميات من واقع المشهد الثقافي شيئا، أم أنها مجرد تغيير واجهات إعلانية لمحتوى واحد، على المثقفين البدء بتغييره قبل كل شيء؟

شمولية أكثر

يرى الشاعر إبراهيم زولي أن المؤسسات الرسمية، ممثّلة في وزارة الثقافة، وفي الهيئة العامة للثقافة، تقوم بجهد جبّار تشكر عليه، ولكن الكاتب والكتاب بحاجة إلى اهتمام أوسع. ويقول “مجلس أعلى للثقافة بات أمرا ملحّا، وإعادة جائزة الدولة التقديرية للمشهد الأدبي يجب ألا تتأخر كثيرا، وتفريغ المثقف، وصندوق الأديب، وإعادة النظر في المشاركات الداخلية والخارجية. هذه بعض من هواجس وآمال المثقفين التي يتطلعون إليها منذ فترة ليست بالقريبة”.

ويضيف زولي “أضف إلى ذلك، بحث المؤلفين السعوديين عن دور نشر عربية لإصدار أعمالهم، هم أشبه بالأيتام على مأدبة اللئام. إشكالية المبدع في المملكة وفي الوطن العربي بصورة عامة أنه هو من يكتب نصوصه، وهو من يراجعها ويدققها إملائيا ولغويا ونحويا، وهو أيضا من يذهب للتعاقد مع الناشر ومن يقوم غالبا بتوزيع عمله، وهو بالطبع من يدفع من قوته ثمن العمل. هذه حالة لا تحترم الكتابة، ولا تقيم شأنا للكاتب”.

ويتابع حديثه عن الأندية الأدبية قائلا “إن أكثر من أربعين عاما هو زمن ليس بالقصير في عمر أي مؤسسة ثقافية، غير أن اﻷندية في بلادنا لا تزال تثير جدلا، ولغطا بين آونة وأخرى، علما أن المبالغ المالية الضخمة التي تتقاضاها إدارات اﻷندية كفيلة بإنعاش أي حركة أدبية في أي مكان، وهذه المبالغ (مليون ريال سنويا لكل ناد، ناهيك عن المكرمة الملكية التي قاربت الـ10 ملايين ريال)، تعد أرقاما فلكية مقارنة بأي مؤسسة ثقافية في العالم العربي، والتي بالتأكيد تنجز أكثر منا”.

ويتساءل زولي عن مكمن الخطأ القائم وراء هذه المعادلة الغريبة، ويقول “لا شك أن هناك خطأ ما، خطأ إداريا، أو تنظيميا، أو في بنود اللائحة. ما يثير العجب أن هذه اﻷموال الطائلة التي تذهب لخزائن اﻷندية لا تجد من الوزارة، من يتساءل عن مخرجاتها، فهناك أندية تعمل، وأندية لا تعمل، أندية تصدر دوريات ومجلات ومطبوعات، وتنظم مهرجانات ومؤتمرات، وأندية لا تنفذ سوى ندوتين أو محاضرتين في السنة على استحياء”.

التغيير في الوعي مطلوب
التغيير في الوعي مطلوب

ويختتم زولي مداخلته متأسفا على الواقع الثقافي الحالي بالقول “بكل أسف، الكثير من المؤسسات الثقافية تحكمها الشللية، ولا تعتمد على استرتيجية في إدارة شؤونها، وكأن عملها أشبه بالارتجالية، وينقضي موسمها الثقافي كيفما اتفق، غير أن الآمل معقودة على وزارة الثقافة ووزيرها بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وعلى الهيئة العامة للثقافة، والفريق المتميز الذي يقود هذه المؤسسة الحيوية، ويعي أن الفكر والثقافة من أهم هواجس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومن مداميك رؤية 2030″.

الأستاذة الجامعية بكلية الآداب في جامعة الملك فيصل، الدكتورة أحلام عبدالعزيز الوصيفر، المتخصصة في الأدب والنقد الحديث، وفي أدب الرحلات، تؤكد من خلال تجربتها مع نادي المنطقة التي تسكنها أن النادي قدّم الكثير لأهل المنطقة، ومن حولها من الداخل والخارج، حيث قدّم الكثير من أعمال وأنشطة ثقافية عامة، وأدبية خاصة، استقطب من خلالها جميع شرائح المجتمع. وله مزايا كبيرة وكثيرة لا يستطيع أحد نكرانها.

وتستأنف رأيها بالقول “ولكن، ما تسعى إليه وزارة الثقافة لتطوير القطاع الثقافي، وإعادة هيكلة النوادي الأدبية، ودخول مؤسسات المجتمع بجميع قطاعاتها مع وزارة العمل والتنمية، سيضيف الأجمل والأجود. وهذا ما نأمله، فحصر عمل مركز ثقافي على جهة معينة لن ولا ولم يستطع جمع الجوانب التي يحتاجها المجتمع كما لو كانت عدة دور، ولا شك بأن تمركز النشاط عند رئيس ناد، سيقلل من حاجة المجتمع والأفراد في حين لو كان منبع الفكر الثقافي عدة مؤسسات وجهات سيكون العطاء أكثر، إضافة إلى وصوله بالمسافات لجهات كثيرة. ففكرة البيوتات الثقافية التي ترأسها عدة جهات لها شمولية أكثر من النوادي التي حصرت توجهها عند جهة معينة، وجعلت العزوف عند كثيرين، وذلك لدخول بعض الأمور الشخصية. كل تغيير للأفضل سيحدث ضجة ثقافية، وزخما معرفيا وفكريا أكثر من سابقه“.

التغيير والتنويع

من جانبه يذهب عضو مجلس الإدارة والمسؤول المالي السابق بنادي الرياض الأدبي، القاص هاني الحجي إلى أنه ليست مهمة تسمية المؤسسات الثقافية بقدر تغير هيكليتها واستراتيجيتها، فمن المفترض -برأيه- أن يكون عنوانها للمرحلة القادمة “الاستثمار في الثقافة بما ينسجم مع رؤية الوطن2030”. ويقول “يفترض أن تعمل المؤسسات كأذرع لوزارة الثقافة، وذلك لتقديم الثقافة باعتبارها منتجا، وليس للاستهلاك مثل أي قطاع خدمي كقطاع السياحة والصحة والتعليم”.

ويرى الحجي أن على الوزارة أن تعمل على إدخال الثقافة إلى سوق العمل واستثمارها، وفقا لآليات تتناسق وحاجة المتلقي من مختلف الشرائح الاجتماعية، فتتحول إلى مشروع يمول ذاته بذاته بعيدا عن الدعم والتمويل الحكوميين، وتكون كإيرادات غير مباشرة.

ويضيف “الإشكالية في المؤسسات والمهرجانات الثقافية أنها تدار بعقلية المثقف الاستهلاكي النمطي، ومن المفترض الآن إخراج المؤسسات الثقافية من النمطية التي تستجدي الحضور المجاني من قبل الجمهور، وتتم إدارتها بعقول اقتصادية ثقافية، هذا سيجعل منها صناعة لها خططها التسويقية، والاستثمارية وإيراداتها، بل وتساهم في الناتج الوطني، وتخدم المنتمين للقطاع الثقافي، وتولّد فرصا وظيفية للمنتمين لحقل الثقافة، مثل باقي القطاعات في الدولة، لتسهم في رفع الظروف المعيشية للمثقفين وتحسينها. ولا يكون ذلك إلا بإقامة شراكة بين المؤسسات الثقافية والقطاع الخاص في إعداد برامج موسمية للثقافة”.

ويتابع “مع وجود نماذج وتجارب ناجحة للاستثمار الثقافي في بعض الدول، مثل مشروع قلعة البحرين، ومشروع الشيخة مي آل خليفة، ومهرجانات عديدة في المغرب، والدول الأوروبية، فالمطلوب للمرحلة القادمة وضع استراتيجية للاستثمار الثقافي يشارك فيها خبراء من القطاع الاقتصادي والثقافي، ولاسيما أن هناك مقومات للاستثمار. وإيجاد حاضنات للمشاريع الثقافية أشبه ما تكون بحاضنات مشاريع  غرف التجارة والصناعة”.

التغيير مطلوب، ولكن ليس في تغيير الواجهات، والتحول من جمعية إلى ناد أو بيت ثقافي،بل في الوعي

رغم عدم تعصبه حيال كيانات الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية الفنية غير أن الشاعر الحسن آل خيرات لا يبدي تفاءله من توجهات الوزارة. ويقول “أنا غير متفائل بهذه التوجهات وما سيتمخض عنها من صيغ ومكونات ثقافية جديدة، وفي الوقت نفسه لست متعصبا للأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون، ولكن المنطق يقول إن المنتج الجديد عن هذه التوجهات والذي سيأتي بشكل أو بآخر على حساب الأندية الأدبية والجمعيات، سيبدأ من الصفر وإن كان سيكون استمرارا لها ولما حققته من منجزات بحسب تصريح الوزير ومن هنا تأتي الملاحظة، فالذي أراه أن تدعم الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون بالميزانيات المزمع صرفها على هذه المكونات مع تغذيتها بالأنظمة والرؤى الحديثة، والعناصر المتخصصة والمتفرغة لإدارتها، فضلا عما يحققه ذلك من احترام لتاريخ عريق لهذه الأندية والجمعيات يقترب من نصف قرن من الزمان وما يعنيه من تقدير وتخليد لمؤسسيها من كبار أدبائنا السعوديين في تلك المرحلة المضيئة من تاريخنا الثقافي“.

ويشير مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام الكاتب يوسف الحربي إلى ضرورة الإشادة بأهمية ودور ما تقوم به وزارة الثقافة، وذلك من خلال ما تقوم به من تجديد ودراسة وبحث وورش العمل المستمرة. يقول الحربي “من الضروري التنويع ودراسة الأنشطة، وبالتالي خلق نواة تهتم بالقطاع وهذا أمر حيوي ومهم من حيث الاحتواء والمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذه المرحلة مهمة، لا تهم وزارة الثقافة وحدها، بل هي مسؤولية جمعية وحركة ثقافية ومجتمع مدني أيضا بوصف العلاقة بين الثقافة والمجتمع هي الرابط بينها وبين التنمية والاقتصاد فالوعي مفتاح التقدّم والإيمان بكل رؤى التنمية الضرورية لوطننا”.

ويتابع “لا يمكن مع ذلك أن ننكر دور جمعية الثقافة والفنون التي أسست للتعاون الثقافي وأنشأت فروعها وجمعت بين المناطق وعرّفت بالتراث الثقافي للمملكة محليا ودوليا، فهي كجمعية لها عراقتها وصمودها ودورها بفروعها التي تجاوزت الـ45 بكل الحيوية والنشاط والتفاعل والقرب خاصة بين الأجيال باختلاف مستوياتهم ودرجات تلقيهم، وهنا تكمن أهميتها من حيث جهودها وتاريخها بما قدّمت وتقدّم حتى الآن من نشاط ثقافي دعم واحتوى أبرز الأسماء الثقافية في المملكة في المسرح والسينما والفنون التشكيلية والكتاب والشعراء، كما عرّفت بأهم الأسماء الثقافية“.

ويرى الحربي أنه من الأجدى والأنفع للثقافة السعودية أن تؤسس نواتها وبيوت الثقافة والجمعيات المتخصّصة انطلاقا من خبرة جمعية الثقافة والفنون. فالتغيير مطلوب، ولكن ليس في تغيير الواجهات، والتحول من جمعية إلى ناد أو بيت ثقافي، بل في الوعي والإدراك وفي التعاون والتفاعل، كأفراد وكجماعات، بطرح كل ما تفرضه المرحلة لطبيعة التواصل مع العالم.

14