المثقفون السعوديون متفائلون بأولى خطوات وزارة الثقافة

انتقال المنصات الثقافية إلى وزارة الثقافة يعد خطوة هامة لتحقيق توحيد المحتوى وتجويده لتقديم ما يليق بالثقافة السعودية.
الخميس 2019/05/30
الاهتمام بالأندية والجمعيات الثقافية والفنية طريق لثقافة شاملة

قوبل إنشاء وزارة للثقافة في السعودية بترحيب كبير من المبدعين والمثقفين والمتابعين، وبعد الترحيب بالفكرة جاء التأسيس، حيث أنيط بها الكثير من المهام الصعبة للمّ الشمل والبدء في العمل وسط تحديات كبرى تمر بها الثقافة العربية. واللافت في عمل وزارة الثقافة الوليدة هو قيامها على المشورة وتشريك المبدعين الذين استفادت من آرائهم، خاصة في ما يتعلق بالاهتمام بالأندية والجمعيات الثقافية والفنية، التي ضمتها الوزارة إليها.

تضم السعودية ستة عشر فرعا لـ جمعية الثقافة والفنون، وأيضا ستة عشر فرعا للأندية الأدبية، تتوزع كل هذه الفروع بين مناطقها؛ شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، بالإضافة إلى منطقة العاصمة وما جاورها من مدن. وقد كانت تشرف عليها الرئاسة العامة لرعاية الشباب السعودي قبل انتقالها تحت مظلة وزارة الثقافة والإعلام. وبينما حظيت الأندية الأدبية بمخصصات سنوية جيدة تصل إلى مليون ريال لكل ناد (270 ألف دولار) بقيت جمعيات الثقافة والفنون بلا مخصصات واضحة ومحددة، تتفاوت قيمتها من سنة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، في متوسط سنوي ضئيل لا يتجاوز مئة ألف ريال لكل جمعية (27 ألف دولار).

ورغم التوصيات العديدة التي قدّمتها مجموعة من المثقفين حيث تقترح دمج الأندية والجمعيات في مراكز ثقافية شاملة تضمّ جميع الفنون الأدبية والفنية، إلا أن الوزارة على ما يبدو ليس لها نوايا قريبة لأن تخطو أي خطوة في هذا الاتجاه، ولاسيما بعد تكليف المسرحي عبدالعزيز السماعيل في مايو الجاري رئيسا لمجلس الإدارة بعد استقالة سلفه عمر السيف.

خطوة هامة

بعد أن دُشنت وزارة الثقافة السعودية أواخر مارس بدأت تتسلّم بعض مهامها من خلال اعتبار إدارة الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية تحت مظلتها الإدارية بعد أن كانت تحت إشراف وزارة الإعلام، وذلك إنفاذا لقرار مجلس الوزراء، القاضي بنقل المهمات والنشاطات المتصلة بالثقافة من وزارة الإعلام إلى وزارة الثقافة.

وعلى إثر هذا القرار انتقل أيضا الإشراف على الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، وجمعية الطوابع، وجمعية التصوير الضوئي، والجمعية السعودية للكاريكاتير والرسوم المتحركة، وجمعية المسرحيين، وجمعية الخط العربي، وجمعية الناشرين السعوديين، وجمعية المنتجين السعوديين، بالإضافة إلى المجلة العربية.

أوضحت الوزارة في وقت سابق بأن العمل بين وزارتي الثقافة والإعلام قائم على قدم وساق لإنهاء الإجراءات الإدارية المترتبة على نقل المهام الإشرافية والارتباطات المرجعية في الكيانات الثقافية، لافتة الانتباه إلى أن وزارة الثقافة ستعمل على تطوير الإمكانيات وتعزيز الفرص والقدرات في القطاع الثقافي.

وفي هذا الشأن يقول رئيس منتدى عبقر الشعري بنادي جدة الأدبي الشاعر عبدالعزيز الشريف “لا شك أن حضور وزارة للثقافة وفي هذا التوقيت بالذات، أمر في غاية الأهمية، خاصة أنها تعنى بالشأن الثقافي في هذا الوطن الجميل الزاخر بالعمق الثقافي والتاريخي العظيم، وهذا الحضور يعد من أهم المنجزات الحضارية التي حدثت في الآونة الأخيرة كمنجز ثقافي، والذي بدوره سوف يسهم في تفعيل منصات الشأن الثقافي ولملمة شتات محتواه الفكري والأدبي والفني بشكل علمي متخصص يضيء فضاء أمة حية تطل على العالم المشرق بعد أن غيّبها التيار الظلامي عقودا وعقودا. وانتقال هذه المنصات الثقافية إلى وزارة الثقافة تعدّ خطوة هامة جدا لتحقيق توحيد المحتوى وتجويده لكي يقدم للعالم ما يليق بهذا الوطن الرائع، ومع هذا الأفق العريض”.

ويضيف “إننا نتطلع بعد استكمال الوزارة ضم كل ما يخص الشأن الثقافي أن تبادر في إنشاء البنية التحتية لهذه المنصات وغيرها من فضاءات الفن الأخرى، من خلال الكليات والمعاهد المتخصصة التي تمد هذه المنصات الثقافية بالكوادر الوطنية المتخصصة والمتفرغة للعمل الثقافي بشكل تام، بعيدا عن الاجتهادات الشخصية، لتكون رافدا حقيقيا لبيئة عمل حضارية، وحتى نحقق تطلعات الأجيال القادمة من خلال خارطة ثقافية واعية، لأن المواهب الثقافية والفنية التي تزخر بها السعودية جديرة بدعمها بالعلم والدراسة والمكان المجهز بالتقنيات الحديثة مع التوسع فيها لتشمل الوطن كله، ومع هذا الكم الهائل من الأمل ننتظر من وزارة الثقافة الكثير من العمل والجهد مع المحافظة على ما تم إنجازه من تراكم فني وثقافي عبر عقود مضت لنبني عليه دعواتنا للقائمين على قطاعات هذه الوزارة بالتوفيق والنجاح في القادم من الأيام”.

ثقة مجتمعية

من جهتها عبّرت مشرفة ملتقى السرد في جمعية الثقافة والفنون بجدة الكاتبة فاطمة بن سعد الغامدي عن رأيها بالقول “منذ إنشاء وزارة الثقافة وجسد جمعيات الثقافة والفنون يتعافى، فالناس بجميع ميولهم يحتاجون حاضنا لإبداعاتهم، وهذا ما لمسناه في الجمعية؛ سواء كانت الأنشطة ثقافية، أو أدبية، أو في مجال الفلسفة، والنقد، والمسرح، والموسيقى، وغيرها”.

وتتابع “بما أن المجال الأدبي متمثل في الشعر الفصيح والشعبي والسرد ويحظى برعاية وزارة الثقافة فمن الجميل ضم هذا المجال إليها بدلا من العمل نفسه في اتجاهين مختلفين لاسيما وأن النادي الأدبي ترتاده النخبة كما أطروها ممثلون من الأكاديميين والمثقفين ومتعاطي الفصحى، بينما لا يوجد مكان للشعر الشعبي؛ أي بلغة الشعب، وهو يمثل تاريخهم وأنشطتهم الاجتماعية ووجدانهم وفخرهم و‘شيلاتهم‘. وليس من حقنا إقصاؤهم؛ الفصيح والشعبي متكاملان في جميع المجتمعات الإنسانية، إذ الشعبي يمثل مرجعا لا يستهان به في توثيق الأحداث”.

وتخلص الغامدي إلى أنها مؤيدة إلى انضمام الأندية الأدبية والجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون وبقية الجمعيات، إلى وزارة الثقافة، إذ ترى أن ذلك سيمثل منعطفا خطيرا سيتم فيه التواصل الفعال بين جميع الفئات صغارا وكبارا ومن ذوي الاحتياجات الخاصة وجميع الموهوبين أو ممن يتذوق المواهب المختلفة.

وتقول في ختام حديثها “مر وقت على إنشاء وزارة الثقافة، وأصبحت تحظى بثقة مجتمعية كاملة، أضف إلى ذلك المساحة المرنة والواسعة المسؤولة التي منحتها وزارة الثقافة لإداراتها، وبالتالي لأعضائها ومرتاديها في حدود سياسة وزارة الثقافة المستمدة من سياسة السعودية”.

 تقول الكاتبة هنادي الوادعي “الوزارات كافة صارت تأخذ برأي ومشورة العامة من المفكرين والمثقفين، وهذا القرار كان صائبا لأنه جاء من حياد؛ يعرف كيف تستقيم الأمور وكيف يجب البت فيها، ويعرف بأن كثرة الرؤوس لا تقدر على العطاء، وأن كل منزلة يجب أن يقف عليها رئيس واحد، والفصل أصل، تقدر فيه كل وزارة بمعرفة مالها وما عليها، واجتماع وزارتين في وزارة واحدة -كما في السابق- ظلم للثقافة وللمثقفين على وجه الخصوص. الأمر الذي قد يعجز حركتها التي تعتبر على رأس التقدم والفلاح المجتمعي. هذا القرار سيحرر قيودها التي كانت صعبة التمكين.لكنه ما كان متأخرا جدا، بل جاء في ذروة الحلم، وفي قوة المبدعين الحاليين، وفي وقت معلوم وسباق ثقافي، هنيئا لنا وطوبى”.

ويرى القاص طاهر الزارعي أن انتقال مهمات الجمعيات الثقافية والأندية الأدبية إضافة إلى المجلة العربية والكثير من الآداب والفنون رسميا بعد قرار مجلس الوزراء، وانفصالها عن وزارة الإعلام لهو قرار يليق بمكانة تلك الفنون والآداب. ويوضح قائلا “وزارة الإعلام حينما اندمجت مع وزارة الثقافة لم تضف الكثير، أو على الأقل، المتوقع منها، ومن هنا جاء هذا القرار بتسلم مهام وصلاحيات تلك الأندية والجمعيات الثقافية من وزارة الإعلام وبشكل رسمي”.

ويختم حديثه “إن وزارة الثقافة وحدها القادرة على تقديم الدعم إلى جمعية الفنون، وكذلك الأندية الأدبية. وهي قادرة على أداء دورها مع الأخذ بعين الاعتبار بأن إشرافها لن يكون سهلا بالقدر الذي تتوقعه، فلديها جمعيات فنون متنوعة وأندية كثيرة ومن الواجب أن تدعمها بنفس الدعم الذي يمكنها من تأسيس مناشطها المتنوعة، وحينما تقوم وزارة الثقافة بتمكين تلك المناشط فهذا قد يعود إيجابا على مثقفي البلد ويجعلهم في حراك دائم، وبالتالي يرتقي الإبداع السعودي بما يليق مع رؤية المملكة 2030 هذه الرؤية التي تحمل مشروعا ثقافيا وفنيا يشمل الكثير من الفنون والآداب”.

16