المثقفون السعوديون يستبشرون بانفتاح طال انتظاره

حضور لافت للرواية والقصة القصيرة السعودية في المشهد الإبداعي العربي، نتيجة التطور اللافت لهذين الجنسين الأدبيين، على الرغم من بدايتهما المتأخرة قياسا ببلدان عربية أخرى.
الجمعة 2019/03/22
القراءة النقدية عملية تواصل تنطلق من داخل النص

الكثير من الكتاب والنقاد في الأوطان العربية رغم ما يقدمونه من إضافة أدبية وثقافية في منجزهم، إلا أنه يقع تجاهلهم ولا يحتفى بهم، وربما يعود هذا إلى أن الثقافة العربية ككل مازالت تقوم على الشخصنة والعلاقات الخاصة أكثر من كونها حراكا ثقافيا موضوعيا ومتكاملا، وهو ما واجهه الكثيرون مثل الناقد السعودي عيد بن عبدالله الناصر. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الناقد في إطلالة على المشهد الثقافي السعودي وتطوراته.

يشكل حضور الناقد والكاتب السعودي عيد بن عبدالله الناصر عنصرا فاعلا في الحراك الثقافي والإبداعي السعودي عامة وفي المنطقة الشرقية خاصة، من خلال النادي الأدبي بالشرقية وجمعية الثقافة والفنون، حيث كتب ونشر آراءه النقدية في بعض الصحف السعودية والخليجية، فضلا عن أنشطته وعطائه في المنتديات الأهلية، الأمر الذي أتاح له معاصرة تفاعلات وتجاذبات هذا الحراك والمساهمة في إضاءته، وعلى الرغم من ذلك من رصيد نقدي متميز لإشكالات البنية الإبداعية والثقافية والاجتماعية السعودية، إلا أن الساحة الثقافية لم تلتفت لإنتاجاته لأسباب غير واضحة.

وللناصر رواية بعنوان “هسهسة التراب” حظيت باحتفاء نقدي حيث تناولت آثار التحولات التي شهدتها المنطقة الشرقية حيث مسقط رأسه سيهات ـ الدمام بعد ظهور البترول، وله كتاب نقدي “أقنعة الخوف” تناول فيه 21 نصا سرديا، وقد ترأس جمعية الثقافة والفنون بالدمام لعدة سنوات، وقد تم تكريمه أخيرا ضمن 15 شخصية ثقافية على مستوى المملكة.

حراك مستمر

بداية وحول ما يستشعره المتابع للحراك الثقافي السعودي من تصالح بين المثقفين والأدباء والسلطة الحاكمة يقول الناصر “هناك رؤية جديدة للسعودية حول كافة المسارات الاقتصادية والثقافية والفنية وغيرها، وهذه الرؤية هي بكل تأكيد محل ترحيب ودعم لا محدود من قبل شريحة واسعة من المواطنين، سواء كانوا من الوسط الثقافي أو الفني أو غير ذلك، لأن هذه الرؤية وبكل بساطة تفتح مجالا للتنفس طال انتظاره من قبل الجميع لعدة عقود”.

رواية تركز على المكان كذاكرة وكحياة وتاريخ
تركز على المكان كذاكرة وكحياة وتاريخ

ويرى الناصر أنه قبل أربعة عقود كان المشهد السعودي أكثر حيوية ونشاطا وجدلا مما هو عليه اليوم، ولكن تم تهشيم وتهميش ذلك المشهد ودفعه للانزواء، لأسباب سياسية واجتماعية هي حديث الجميع في هذه الأيام، ولم يتبق من تلك الفترة سوى الذكريات.

ويقول الناصر إن روايته “هسهسة التراب” تركز على المكان كذاكرة وكحياة وتاريخ، وإنه حاول رصد التحولات لمرحلة مهمة من تاريخ المدينة التي ولد وترعرع في أزقتها ومزارعها، حيث أن المنطقة الشرقية لم تأخذ حقها كمكان في السرد الروائي.

هناك حضور لافت للرواية والقصة القصيرة السعودية في المشهد الإبداعي العربي، نتيجة التطور اللافت لهذين الجنسين الأدبيين، على الرغم من بدايتهما المتأخرة قياسا ببلدان عربية أخرى. ويوضح الناصر أن “مؤرخي الرواية السعودية يتكلمون عن عدة مراحل، منها مرحلة التأسيس، أو مرحلة الرواد، والتي تمتد من عام 1930 حتى عام 1954 والتي شملت عدة روايات ‘التوأمان، فكرة، البعث، الانتقام‘، وهذا يعني أن تاريخ البداية لم يكن بعيدا عن ولادته في الكثير من الأقطار العربية، ولكنه ظل مراوحا من حيث الكم والنوع. وجاء بعد مرحلة الرواد ما يدعونه بالمرحلة ‘الفنية‘ أي أن الرواية بدأت تأخذ الشكل الفني للرواية، وكان ذلك مع رواية ‘ثمن التضحية‘ لحامد دمنهوري عام 1959، وتعددت مراحل النمو والتطور حتى وصلنا إلى عام 1990 وحرب الخليج الثانية، في هذه اللحظات أصدر المرحوم غازي القصيبي روايته المشهورة ‘شقة الحرية‘ وأصدر تركي الحمد عدة روايات، بدأها بـ‘العدامة‘. الملاحظ أن هذه الروايات كانت تؤطر لموقف سياسي صريح، وتم تسليط الضوء على هذه الروايات بشكل كبير”.

تطورات المشهد

وردا على تساؤل حول تراجع الحراك النقدي في الحركة الثقافية بالسعودية مقارنة بما شهدته التسعينات ومطلع الألفية الثالثة، يقول الناصر “لا أدري ما دقة هذا التحليل، الذي أعرفه وأتابعه أن هناك كتبا تطبع ومؤتمرات نقدية تعقد ودراسات أكاديمية تطبع وتوزع، ولكن ربما صورة المشهد برمته قد تغيرت، ففي السابق كانت هناك الملحقات الأدبية في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة وغير المتخصصة في الثقافة، وهي منابر محدودة تسيطر عليها مجموعة من الأسماء ملأت المشهد بأصواتها المرتفعة محليا وعربيا، ولكن الظروف الإعلامية تغيرت الآن، والأسماء ذاتها بدأت تنسحب سواء بسبب العمر أو بسبب طبيعة الأمور، فلم يعودوا يمثلون تلك الروح الشبابية. الآن هناك أسماء أكثر وحركة أقوى مما كانت عليه في السابق، الآن توجد أسماء لناقدات وأديبات وروائيات سعوديات أكثر مما كان موجودا في السابق”.

ويؤكد الكاتب أن “القراءة النقدية عملية تواصل تنطلق من داخل النص ذاته، لا من خارجه، وفعل الكتابة يتأتى في لحظات أقررها أثناء قراءة نص أو بعد الفراغ منه”، مضيفا أنه “لا يملك توجيه الكاتب لما هو خطأ أو صواب في كتابته، وإنما محاولة لتطوير الأدوات في التعامل مع النصوص المختلفة”، مشبها النصوص بالبشر “أتواصل معه فكريا وثقافيا وروحيا ولا أبحث عن خطاياه أو حسناته”، مبتعدا عن توظيفات اقترحها على القارئ، موضحا “لم يثبت هذا الأسلوب فشله فقط بل غباءه”.

الرواية بدأت تأخذ الشكل الفني للرواية
الرواية بدأت تأخذ الشكل الفني للرواية

يقول الناصر عن تطورات هامة في المشهد الثقافي السعودي انطلاقا من معاصرته لها “سأتحدث عن الانحناءات الرئيسيّة في الحركة وليس التفاصيل والجزئيات، منذ 1980 وحتى الآن، تناوبت على المنبر الثقافي عقليات لها نفس المواصفات وإن اختلف المحتوى. كان اليسار يمسك بزمام الثقافة وينفي كل من يختلف معه، ثم جاء التيار الديني ليمارس نفس الفعل. وأستطيع أن أتحدث عن المنطقة الشرقية فهي التي أعرفها وأستطيع أن أقول رأيي بارتياح، أنت تعرف أن السعودية أشبه بقارة ولله الحمد، والمناطق الأخرى لم يكن لي أي تماس مباشر بها إلا من خلال متابعة بعض الملحقات الثقافية في الجرائد والمجلات كقارئ فقط، وهذه لا تكفي للإحساس بالنبض الحقيقي للحركة الثقافية، وكحقيقة جغرافية واجتماعية ربما تكون البحرين أو الكويت أقرب لي من الرياض، ناهيك عند جدة أو المناطق الأخرى في الشمال والجنوب”.

ويضيف “أتذكر في بداية الثمانينات الميلادية بالنسبة إلينا في المنطقة الشرقية كانت جريدة اليوم هي النافذة التي نتابع من خلالها إيقاع الحركة الثقافية، وتحديدا ملحقها الثقافي ‘المربد’، هذا الملحق الذي قدم الكثير من الوجوه الحداثية في الشعر والنثر، ولا نستطيع إلا أن نضرب له تحية احترام وتقدير، ولكن هذه التحية لا تنسى أن هذه النافذة الوحيدة كانت محتكرة في الأغلب الأعم من قبل تيار ثقافي واحد، بالإضافة إلى إحكام قبضة هذا التيار على أنشطة وفعاليات جمعية الثقافة والفنون، وهي المتنفس الوحيد على مستوى الفنون الأدائية من مسرح وموسيقى وتشكيل .. الخ. كانت جوقة واحدة هي التي تسير وتدير الجمعية والملحق الثقافي في آن واحد، بمعنى آخر هذه المجموعة كانت تتحكم في قصبة التنفس الثقافي في المنطقة الشرقية وتمسك بمفاصله، وأي محاولة للمشاركة في الفعل الثقافي والفني يكون محكوم عليها بالفشل، إن لم تكن مشفوعة بتزكية صريحة من أحد الأسماء المؤثرة في ذلك التيار”.

ويشير الناصر إلى أن حب الأدب والرواية هو ما دفعه مصادفة لمقر الجمعية في يوم ما، وحاول مع بعض الأصدقاء الدخول والمشاركة في فعاليات الجمعية، مضيفا “لكن في كل مرة نذهب إلى هناك نشعر وكأننا مثل الدجاجة الغريبة لا تعرف أين تقف ولا كيف تقف، ولا تجد من يشد على يديها أو يرحب بحضورها إلى ذلك المكان النخبوي الخاص”.

ورأى الناصر أن “هذه حالة مرضية ابتليت بها الساحة الثقافية الفنية حرمته هو وجيله من المشاركة في النشاط الثقافي المشروط أيديولوجيا. وحين خفت قبضة هذا التيار لأسباب تاريخية معروفة، وعملت أنا شخصيا في جمعية الثقافة والفنون استطعت أن أعرف بلمس اليد مدى الخسارة التي تسبب فيها تخندق تلك العقلية في واجهة المشهد”.

15