المثقفون العرب والإرهاب: أن تطحن بين شقي الرحى ولا تجد الخلاص

الأحد 2017/10/29
تيار الوعي السياسي والتنوير الثقافي في منطقتنا العربية يتزايد يوما بعد يوم

المتابع لردود فعل المثقفين حول الأحداث الإرهابية في العالم العربي وما تخلفه من ضحايا وما تحدثه من آلام ومخاوف في النفوس وانعكاسات على حياة الناس ونشاطهم اليومي والكيان الاجتماعي العام ومستقبل العلاقة بين الدولة الوطنية ومواطنيها، وبينهم وبينها، يستشعر أن هناك إغفالا لهذا الدور وتأثيره من جانب الحكومات العربية.

وفي الوقت نفسه يلمس المتابع للأحوال العامة أن هناك غيابا لرؤية حقيقية لدى هؤلاء المثقفين في مكافحة هذا الوباء الذي ابتليت به المنطقة العربية. وهو مرض ما أن يتم القضاء عليه في موقع حتى ينتقل إلى آخر ليزداد انتشارا وتتسع مساحاته على الرغم من الجهود الأمنية والحربية المبذولة عربيا وعالميا.

في هذا الاستطلاع استقصت “العرب” بعض المثقفين عن تقييمهم لردود فعلهم وهل هذه الردود تتناسب مع الدور الذي أعطوه لأنفسهم؟ فكان أيضا أن تباينت آراؤهم.

أحمد سويلم: دور المثقف مهم في مجابهة أعداء الوطن

بداية أسف الشاعر أحمد سويلم للدور الذي ارتضاه المثقف في هذه الفترة العصيبة بموقفه السلبي خارج إطار الأحداث، وقال “حينما حاول رئيس الجمهورية إشراك المثقفين اجتمع بعدد منهم وطلب موافاته شهريا بآرائهم لكي تعينه في مسيرته، فلم يستجب المثقفون ولم يلتزموا ولم يقدموا شيئا ربما لرؤية المثقف التقليدية بأن يكون على “يسار السلطة” دائما رافضا متمردا حتى لو كان هذا التمرد “سلبيا” لا يملك رؤية حقيقية للإصلاح، أو ربما أيضا لظنّ المثقف أنه فقد حلمه ودوره منذ عام 1967 وظل ينتظر من يعيده إليه حتى الآن.

وأظن أن دور المثقف مهم في مجابهة أعداء الوطن ومقاومة الإرهاب بسلاح الكلمة والفكر والإبداع. وربما نرى ذلك على استحياء بين الحين والأخر. وإذا تم لا ترحّب به وسائل الإعلام التي تنشغل ليل نهار بثرثرات التنظير والتحليل الممجوجة وإلهاء الناس عن قضاياهم المصيرية.

نحن إذن مطالبون أن ندخل إطار الأحداث ونتفاعل معها بحسّ وطني ثقافي، ويكون لنا دور في إعادة تشكيل الوعي بالأخطار التي تحدق بالوطن برؤية حقيقية نافذة -بعيدا عن هذه المواقف السلبية- وأن يتوهج داخلنا الإصرار على إنقاذ هذا الوطن والوصول به إلى مرفأ الأمان والسلام.

تراشق وتلاسن

الشاعر جمال القصاص يؤكد أنه ليس مطلوبا من المثقف إزاء كوارث ومجازر الإرهاب التي أصبحت تزاحم أنفاسه أن يكون حصيفا ومنطقيا، يحسب موقفه بحسابات المصالح والمع والضد. المثقف ينفعل بالمشهد كما يسمعه ويراه، وتتناقله الفضائيات ووسائل الإعلام، رغم ما يشوب بعضها من عوار. هو يريد أن يطمئنّ بسرعة على ما حدث، وبشكل رسمي مسؤول: كيف وقع، وكم عدد الضحايا والشهداء، وهل أفلت الجناة أم تم القبض عليهم، هل ثمة تقصير وإهمال وسوء تقدير، ثم ما هو الجديد في هذه الطاحونة التي أصبحت تدوس بتروسها المعقدة الأخضر واليابس في هذا العالم؟

تبدو حيرة المثقف أكثر كثافة وحدة حين يتعلق الأمر بوطنه، بماضيه وحاضره ومستقبله. وأمام غيبة هذه الطمأنينة، وما تنطوي عليه من مصارحة ومكاشفة، يعلو منطق الظن والتخمين، والتراشق والتلاسن بين أطياف المثقفين، وتلقى التهم جزافا، إلى حد التخوين والعمالة، وتتحول محاولة فهم ما حدث إلى إرهاب مقنّع باسم الدفاع عن المصالح العليا للبلاد، وهي في الحقيقة مجرد جرس في يد السلطة، كلما فشلت تعلقه في رقاب الآخرين.

إن ما حدث في مجزرة الواحات على بعد 135 كيلومترا من العاصمة القاهرة، بين فصائل منتقاة من الشرطة المصرية ووكر للإرهابيين ليس بعيدا عن ذلك. في الحرب ضد الإرهاب، أنت أمام عدوّ أصبح يمتلك القدرة على التنكر حتى في خطواتك وظلك وأفكارك وأفكار الآخرين، بل خرج أغلب قادته من صلبك وتمرّدوا عليك، وأصبحوا لا يشتهون سوى قتلك والثأر منك، بشتى الطرق. وعليك أن تضع الحلول الناجعة والحاسمة لاجتثاث هذا العدو من جذوره.

السيد نجم: المثقف يقع بين شقي الرحى في كل المناسبات

تباين المواقف

كمال فهمي يرى أن ردود فعل المثقف تتباين حسب موقعه وتوجهاته. فهناك فئة من المثقفين تتخذ من النظام الحاكم في الدولة التي تنتمي إليها موقفا عدائيا مسبقا لأسباب مختلفة وهذا الموقف يجعل موقفها من أحداث الإرهاب غير موضوعي ويفتقر إلى الرؤية العلمية أو الفكرية المحايدة، فهم قد يفسرون الإرهاب طبقا لموقعهم أنه ناتج عن غياب العدالة أو وجود الاستبداد، ومنهم من يتّخذ أحيانا موقفا سلبيا أو لامباليا. ومن المثقفين جماعات أيضا تنتمي لتيارات الإسلام السياسي وهذه تتخذ موقفا واضحا مؤيدا لكل عمل ضد الدولة التي يرونها دولة كافرة مطلوب إسقاطها. إلا أنني أرى موقفا متناميا لتيار ثقافي واع يتزايد يوما بعد يوم ويكتسب مساحة أوسع وتأثيرا أكبر يرفض هذه الظاهرة ويحلل أسبابها الحقيقية بعيدا عن العواطف أو الانتماءات الدينية أو المذهبية أو السياسية ويضع الحلول لمواجهتها والقضاء عليها.

تيار الوعي السياسي والتنوير الثقافي في منطقتنا العربية يتزايد يوما بعد يوم وأنا متفائل بأنه سيكون أكثر قوة وفاعلية في مواجهة الإرهاب الذي يجتاح المنطقة بجذوره المحلية وروافده الدولية.

تجاهل السياسي للمثقف

الروائي السيد نجم يشير إلى أن المثقف يقع بين شقي الرحى في كل المناسبات والأحول المجتمعية، ﺇن خيرا أو شرّا، تلك التي تتمثل في قدر الحرية المتاح للتعبير عن وجهة نظر المثقف، والتي غالبا ما تتعرض للكثير من المشاكل التي منها الاصطدام بالسلطة مباشرة في أغلب الأحيان باعتبارها صاحبة القرار الذي كان على خطأ أو لم يتّخذ أصلا.

وقال إن نقص المعلومات غالبا هو السمة التي يشعر بها المثقف، ﺇن حاول التحليل والتناول العقلاني المتزن. مما قد يوقعه في الاعتماد على خبراته واستنتاجاته الخاصة جدا، أو الاعتماد على معلومات تروّج لها جهات ما لا تتصف بالمصداقية. إن اﻹرادة السياسية غير متوافرة منذ سنوات طويلة، بشأن التنسيق والتعاون والاستئناس بآراء المثقف مع السياسي، حيث العلاقة بين المثقف والسياسي “صاحب القرار” في حالة من الشك وعدم الأريحية. وربما لا أبالغ ولا أتهم، لا أبالغ أن أقول إن هناك مشكلة ذاتية وخاصة جدا عند المثقف عموما، وهو أنه على الرغم من نقص المعلومات ثم عدم الحنكة التحليلية السياسية التي هي من علوم وممارسات السياسي، وبالرغم من تخصص المثقف الخاص جدا ﺇبداعا أو حتى مهنة كتابية قرائية مثل الصحافة يظن أنه دوما صاحب الرأي الأرجح والأفضل مع قدر غير هين من التعالي. وتلك الحالة التي نعيشها جميعا، سواء تجاهل السياسي للمثقف من باب أنه أكثر حنكة وعلما بدخائل الأمور، في مقابل المثقف المتعالي بما يعرفه من ثقافة عامة أو حتى خاصة، لا نتوقع أن يتقابلا إلا بعد أن تتحقق الديمقراطية في حياتنا اليومية بين الجميع، وليس شعارا يرفع وقت الضرورة وﺇن لزم الأمر.

رسول محمد رسول: نخب مثقفة ما زالت رهن أجهزة المخابرات

نتاج ثقافة التشدد

الشاعر والمترجم الجزائري جمال جلاصي يقول بما أن للمثقف رؤية استشرافية ولأن الإرهاب هو “نتاج ثقافة” من التشدّد ومعاداة التنوير وتبرير قتل المختلفين واغتيال العقل أعتقد أن ردّة فعل المثقفين والمبدعين عند حصول بعض الأحداث الإرهابية لا يتماشى غالبا مع حجم الكارثة وتبقى ردود أفعالهم ظرفية وتحت تأثير ثقل اللحظة. إن دور المثقف في مواجهة الإرهاب لا يجب أن يكون مرتبطا بلحظة ما، على الرغم من خطورة تلك الهجمات والخسائر التي توقعها في صفوف أفراد الشعب سواء من المدنيين والعسكريين وما تثيره من إرباكات في المجتمع وزعزعة الثقة على أجهزة الدولة وقدرتها على المحافظة على الأمن العام.

ويضيف أنه لا بدّ أن يكون عمل المثقفين عملا جبهويّاً متواصلا في إطار استراتيجية شاملة لمقاومة الإرهاب، والمثال على ذلك ما قام به المثقفون التونسيون في أعقاب هجمات سوسة الإرهابية من إقامة مؤتمر المثقّفين التّونسيّين ضدّ الإرهاب، تحت شعار “تـونـس لـن تـركـع للإرهـاب” والذي شارك فيه أكثر من ألف مثقف بين مبدعين من شتى المجالات وإعلاميين. إن الإرهابي ومشروع الإرهابي لا ترعبهما المدافع ولا يخافان الرصاص، وإنّه تاريخيا في أوروبا المثقفون والمبدعون والمفكرون هم الذين وقفوا أمام النازية والإرهاب ولنا أن نذكر هنا عديد المسرحيين الأوروبيين مثل برتولت بريشت وأوجين يونسكو وغيرهما لأن البلدان بمثقفيها أولا وليست بدباباتها وطائراتها. إن أوّل ضحية لتنامي خطر الإرهاب هم المبدعون لذا عليهم أن ينتبهوا ويعتبروا من تجربة الجزائر التي كان أكثر ضحايا العشرية السوداء فيها هم المبدعون أصحاب الكلمة واللحن والمسرحيون. لا بد من مقاومة الإرهاب والتنديد به يوميّا، إعلامياً وإبداعياً.

التعتيم على المثقفين

الروائي والمترجم عبدالسلام إبراهيم يشدد على أن المثقف هو أول من يتفاعل مع الأحداث التي تحدث في مصر، ويتمثل هذا التفاعل في صورة كتابة أدبية أو استنكار على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر المجتمع الذي يعيش فيه قدر استطاعته. أما بالنسبة للأحداث الإرهابية المتلاحقة فالمثقف يتألم أشد الألم لأن إراقة الدماء أمر مؤلم جدا عليه، وإن كان ذلك غير واضح في مجتمعنا فمرجعه وسائل الإعلام التي لا تستطلع آراء المثقفين ومن ثم يتحجّم دوره الذي هو في الأساس المؤثر والمنطقي في المجتمع. ولن يظهر دور المثقف إلا إذا أتيحت له الفرصة في التعبير عن حزنه وألمه من خلال وسائل الإعلام المختلفة لما يحدث، وبالتالي تتناسب ردوده مع دوره المنوط به في المجتمع.

تقية وراحة بال

الشاعر مصباح المهدي يرى أن رد فعل المثقف لا يتناسب قياسا بالمنوط به تجاه ما يحدث من موجات إرهابية تحصد أرواح أبرياء بين الحين والآخر ورصد هذا الأمر يتطلب منا دقة وابتعادا عن الانفعال، فمنذ أن تصدّى الأمن والأمن وحده لملف الإرهاب والمثقف كعضو فاعل والثقافة كسلاح فاعل تتباعد وتبتعد إن قصرا أو تقصيرا فقط بين الفينة يلقون باللائمة على الأزهر والأزهريين والخطاب الديني الذي صدعوا أدمغتنا بضرورة تجديده، تلك الدعوة التي تحمل في طياتها نوايا أخرى تخص إخصاء الخطاب الديني لا تجديده، إن المثقف من بعد إدخاله الحظيرة حسب قول فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق خرج منها ليدخل الشرنقة، فقد أذل الحرص أعناق الرجال، لزم الصمت تقية وراحة بال.

حاتم الجوهري: المجتمع المصري يعيش حالة من التناقضات

بين المطرقة والسندان

عمر صوفي يقول إن الأحداث الدامية تفرض أعباء مضاعفة على المثقف العربي، إذ يطالبه المجتمع بتفعيل دوره ودور الثقافة ومضامينها البناءة لمواجهة التطرف والتعصب، وفي نفس الوقت يجد المثقف تغييبا أو تهميشا من الأنظمة الحاكمة من ناحية وتسفيها من الجماعات الدينية الرسمية وغير الرسمية قد يصل إلى حد التشكيك والتخوين والتكفير من ناحية أخرى. فكأنه بين المطرقة والسندان: السلطتان السياسية والدينية. وكلاهما يسعى لتغييب أو تحييد المثقف صاحب الفكر الحر والرؤية الناقدة البناءة، لذلك نجد استجابة أغلب المثقفين للأحداث الدامية تستند إلى رد الفعل الآني والشجب والتنديد دون القدرة على تفنيد الأسانيد والمنطلقات الفكرية لتلك الجماعات الإرهابية أو الاقتراب من الأسباب الموضوعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ساعدت على تفريخ الفكر المتطرف خاصة في ظل الهوجة الإعلامية الموجهة وتضييق المساحة أمام الفكر الحر. إن دور المثقف محوري إذا أردنا المواجهة الجذرية لتلك الأفكار الظلامية وهو ما يتطلّب تفعيل دور المؤسسات الثقافية والتربوية، وإفساح مساحة أرحب أمام الثقافة والمثقفين لتصدّر المشهد العام في كل مناحي الحياة.

نخب ومخابرات

رسول محمد رسول يلفت إلى أن نخباً مثقفة ما زالت رهن أجهزة المخابرات التي تدفع المال والذهب لقاء بقاء المثقف في برجه العالي لا يتكلم إلا بإذن هذه الدوائر، ولا ينشر مقاله إلا بإذنها، وهي التي يروج لها ولبرامجها وسياساتها وتقاطعها وأمزجتها وأفراحها وأتراحها وشهواتها وغرائزها مع غيرها حتى لو كانت تنزل الشر في الناس من دون رادع أخلاقي أو إنساني والنماذج كثيرة في هذا المجال.

وقال إن كل هذا يجعلنا نقول إن الكثير من المثقفين العرب هم مغيّبون في أقبية الجُب، الجُب الذي يريده الساسة ورؤساء الدوائر المخابراتية وسماسرتهم وزبائنهم خيمة غنّاء يرتع فيها المثقف العربي قابعاً فيه، سواء كان هذا الجب من مستوى سبع نجوم أو خمس نجوم، هذه الثلة المتنعمة جراء تبعيتها للدوائر المخابراتية أصبحت عبئاً على المشهد الثقافي العربي وما أكثر مجموعاتها راهنا، لا سيما عندما تراها حاضرة في أغلب معارض الكتب والمنتديات والمؤتمرات التي تعقد في عواصم عربية وأخرى غير عربية مموّلة من دول عربية.

المزايدة والوظيفية

حاتم الجوهري يرجع ردود فعل بعض المثقفين تجاه الأحداث الاجتماعية والسياسية إلى فكرتين هما المزايدة والوظيفية؛ غير أن هناك الجادين الذين يواجهون الأمر ويبحثون وراء الأحداث، فلقد خلق الفيسبوك حالة من المزايدة وتحول للفضفضة وكتابة ما يعنّ للناس، وقد تتقبل هذا من شباب في مقتبل عمره أو من عامة الناس، لكن أن تنتقل الحالة لمن يفترض أنهم أصحاب الوعي والنخبة العارفة، فتلك هي أزمة كبرى.

وأضاف أن المجتمع المصري يعيش حالة من التناقضات، فغياب دور الثقافة كقاطرة معرفية تستكشف مستقبل البلاد وتختبر احتمالاته المستقبلية، أصبحت مجرد بنية وظيفية لتبرير تناقضات المجتمع المصري، فيما قبل سبعينات القرن العشرين وجيل التفسخ والتحلل من الجماعة في الثقافة المصرية، كان هناك فصل واضح بين المبدع صاحب الموهبة وبين المثقف صاحب ملكات الوعي والفرص البديلة لمستودع هوية البلاد، لكن منذ جيل سبعينات القرن الماضي لم تنجح الثقافة المصرية في تقديم جيل رافع للبلاد في تصوره للثقافة، كبديل عن ثقافة العهد الملكي، أو عصر ثورة 1952 وأصبح مفهوم المثقف عند الكثيرين يرتبط بالصوت العالي والمزايدة، دون وضع الأمور في سياقها التاريخي والمواجهة مع الحقائق القاسية.

صبحي موسى: رجل الشارع أكثر حكمة من كثير من المثقفين

المثقفون أدمنوا الشكاية

الروائي صبحي موسى ينتقد المثقفين معتبرا أنه يشعر أن رجل الشارع أكثر حكمة من كثير من المثقفين فيما يخص رد الفعل تجاه الأحداث الإرهابية، حتى وإن كان للإعلام سيطرته على ذهنية الشارع، فالمثقف عقب ثورة يناير أدمن موقع الشكاية والنكاية واللوم، وكأن هذا الفعل يشفي ضميره ويبرئ ساحته من فكرة فشل الثورة، فتعليق الأخطاء على الآخرين سواء العسكر أو الإخوان أو جهل الشارع وبراغماتيته يجعل المثقف طاهر الثوب مبرّأ من كل عيب، هذا المثقف الذي يعاني من ازدواجية البحث اليومي عن أكل العيش مثله في ذلك مثل رجل الشارع، والتفكير المتسامي عن الواقع ورؤية الأمور من خلال فلسفة التاريخ وطبيعة مراحله، ينسى دوره ويتخذ موقف زرقاء اليمامة التي لا تجيد سوى النواح والتحذير، لتصبح متعة الحديث عنده عن الأخطاء أكثر من المكاسب والنجاحات، ويصبح النصف الفارغ من الكوب هو النصف المقدس في مخيلة المثقف، ومن ثم فمع وقوع أيّ حادث إرهابي تطل العديد من الرؤوس بألسن كالمشارط لتمزيق السلطة، ربما بحثا عن إهانة لتعاليها على المثقف، واحتكارها لمنظومة الحكم دونه، وربما حفاظاً على نفسه بوصفه وريثاً لآلهة الحكمة.

وأوضح أن هذا المثقف ينسى دائماً أن الوقت وقت حرب، وأن تمزيق السلطة والمزايدة عليها ليس في صالحه هو نفسه، فإضعاف السلطة وإرباكها لا يصبّ إلا في مصلحة ذئاب الصحراء النائمة على جانبي الوادي والدلتا، والتي تنتظر أقرب فرصة لتنشب مخالبها في وجوه الجميع وصدورهم، المثقف هنا ينسى أن هذه الذئاب تقتات على فكرة نقيضة لوجود المثقف ذاته، وأنها في يوم من الأيام وصلت إلى السلطة عبر آليات الديمقراطية فكادت تطيح بكل شيء لصالح فكرتها هي، المثقف ينسى أن سقوط الدولة لن يكون إلا على رأس الفقراء الذين يهيجهم في بوستاته وكثير من مقالاته، وأن رأسه هو ستكون أول الرؤوس التي ستقطع بوصفه مختلفاً وليس فقط مفكرا. كما يعتبر أن دهشته تزداد حين يرى مثقفين يتربحون ليل نهار من مؤسسات الدولة ويسعون لهدم الدولة، فكل مزايداتهم لا تصب إلا في تهيئة المناخ لنمو الراغبين في هدم الدولة، هذا المثقف تختلط عليه معرفة عدوه من صديقه، ويختلط عليه متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يفكر للجماهير كي تأخذ حقوقها، والمدهش هنا أن رجل الشارع لديه من الحكمة أكثر مما يتمتع به هذا المثقف.

كاتب من مصر

14