المثقفون القنافذ

السبت 2013/10/12

" إنني أصغي بانتباه إلى جميع المناقشات التي تدور بينكما كما تدور بين مثقفين آخرين في هذه المدينة، وأقرأ الصحف وأقرأ المجلات، فكلما ازددت إصغاء ازددت اقتناعا بأن هذه المناقشات التي يدور بها الكلام أو تجري بها الأقلام لا تمت بصلة إلى الحياة وضروراتها ومشكلاتها الواقعية، ذلك أنني أنظر إلى الحياة، إلى الحياة الحقة، من قرب، أراها لدى الآخرين، وأحسها في ذات نفسي"، عن رواية "جسر على نهر درينا"(ص314).

إن هذا المقطع شديد الكثافة والصراحة يعبر بصورة دقيقة وحاسمة عن واقع شريحة من المثقفين عندنا، وباختصار يضع الأصبع على الهوة الفاصلة بين هؤلاء والواقع الحقيقي لمواطنيهم. إذا كان دور المثقف هو إشاعة التنوير ومحو الجهل وقيادة الناس من أجل تحقيق التغيير والسير في المقدمة، والتضحية قصد تبصير وتوجيه الناس وبغية تأسيس التقاليد الأكثر نبلا وإنسانية، ونقد كل الجوانب الظلامية المعرقلة لمسيرة تطور المجتمع، فإن هذا الدور الأصيل لا يمكن أبدا أن يتحقق طالما أن من صفات نخبة معتبرة العدد من مثقفينا الخوف، واللامبالاة والانصياع للسلطة كحكم مستبد وكقيم جامدة.

إن القطيعة السائدة اليوم بين مشاغل الناس وهمومهم وتطلعاتهم، وبين أغلبية مثقفينا قد أدت إلى انتشار العديد من الظواهر المرضية كالارتزاق، وتغييب النقد النزيه واعتباره وسيلة من وسائل الهدم لا البناء. وهنا ينبغي التأكيد أن في بلادنا عراقيل تحول دون تحقق التحولات العميقة على مستوى الاقتصاد والثقافة والمعيشة والأخلاق، وأنه برزت ولا تزال تبرز مجموعة من التصورات بعضها خاطئ وبعضها الآخر صائب، لكنها ظلت كلها في واد والمثقف في واد آخر مما جعل الجماهير تزهد عن الثقافة وتسحب ثقتها من حامليها.

هنا ينبغي أن يتساءل المرء بما يشبه المرارة: هل نعرف نحن مواطنينا حقا في القرى والأرياف المرمية في غياهب النسيان والمقصاة من أسباب الحياة الكريمة؟ وهل نفهم معضلاتهم الملحة التي تسد منافذ التقدم والانعتاق من الفقر والأمية متعددة الأشكال والذيول؟.

في اعتقادي أن الإجابة عن هذين السؤالين تفضي بنا إلى القول بأن هذا النوع من الشريحة المثقفة لا يدرك حقا ذلك، والسبب يكمن في نسيانه أو تناسيه أنَ عملية الإدراك ومن ثم تحويل هذا الإدراك إلى فهم وتحويل الفهم إلى فعل تغييري تتم من الداخل، وليس من على الشرفات أو من خلال التصور الذاتي البعيد عن المعاناة الميدانية، وعن تحسس ومعانقة مطامح أولئك الذين لا صوت لهم.

لا شك أن لهذا النمط من المثقفين مجموعة من التصورات المتخيلة، ومجموعة من الكليشهات المستقاة من الكتب معتقدين أنها قادرة على أن تتحول إلى مصباح ينير الظلام دون جدوى.

إن أم المشكلات التي تحول دون بناء العلاقة التفاعلية المنتجة بين المثقفين وبين المواطنين تتمثل في غياب الحوار الصادق، و في اتساع الهوة الفاصلة بين الفريقين حيث أصبح لكل مثقف من هذا النمط قارته الخاصة به يحلم بها أو فيها، مقيما الأسوار الحديدية دون الآخرين، مثلما هو شأن القنافذ التي تهرب إلى الداخل إذا ما التقت بالبشر، وهنا أقول إن المثقف الذي يعجز عن نقد نفسه من أجل تجاوز أخطائه، فإنه يستحيل عليه أن ينزل إلى الآخرين للتفاعل وإقامة التجربة الحية معهم والعمل معهم على خلق الشروط الموضوعية لتأسيس حياة تصبح فيها ذات كل منَا قوة فاعلة ومبدعة وجسرا يصل بين الآخرين.

16