المثقفون في تونس: قيس سعيد نختلف معه ولا نختلف عليه

مثقفو تونس اليوم، المتردّدين منهم والمتحمسين، مبتهجون ويهنئون بعضهم بعضا بعد ما أقدم عليه قيس سعيد، لكن بعضهم لا يخفي توجسه من انتقام جماعة الإخوان.
الخميس 2021/07/29
قيس سعيد يحظى بشعبية شبابية تدفعه إلى الأمام

ومثل جرس الكنيسة ـ أو صياح الديك ـ يدعو للصلاة ولا يصلي، دعا مثقفون تونسيون كثيرون مواطنيهم إلى المشاركة دون تردد في الاعتصام المفتوح الهادف إلى إسقاط الحكومة وحل البرلمان يوم 25 يوليو، ثم انبرى عدد غير قليل منهم إلى المكوث في بيته أمام شاشتي التلفزيون والكمبيوتر مكتفيا بالمتابعة والتعليق في ذلك اليوم الذي بلغت فيه الحرارة والحماس أقصاهما.

سخر بعض مثقفي تونس في البداية من البيانات التحريضية التي أصدرتها ما يُعرف بالمجالس الشبابية التي لا يعرف لها عنوان أو تصنيف حزبي أو جمعياتي. اكتفوا بانتقاد الأخطاء الإملائية الواردة في تلك البيانات ثم تركوا الأبواب مواربة والأجوبة معلقة، وذلك على اعتبار أنّ إسقاط برلمان الغنوشي ليس أمرا هيّنا، وأن جماعة هذا الرجل الأفعواني تتمدد بشكل أخطبوطي في مؤسسات عديدة بالدولة، وكذلك الحكومة التي تتوسدهم وتنام في أحضانهم.

وباختصار شديد، فإن غالبية المثقفين التونسيين ـ وإن ضاقت ذرعا بالحكومة والبرلمان ـ فإنها لم تكن تأخذ إمكانية التغيير على محمل الجد، ومنهم من يعتبر الرئيس قيس سعيد مجرد ظاهرة صوتية، يكتفي بالإدانة والتهديد من بعيد دون ذكر أسماء، بينما يستمر الإخوان والفاسدون في غيّهم.

استمر هذا الاعتقاد إلى غاية مساء يوم 25 يوليو. وحين غربت شمس ذلك اليوم الحانق وبردت الدماء في رؤوس الجميع، وظنت الحكومة وجماعة حركة النهضة وأتباعها أنهم في مأمن من شعارات تلك الجماهير الغاضبة، وأن مواكب الاحتجاج لا تتعدى كونها سحابة صيف، ظهر صوت قيس سعيد، هادرا، واضحا وصريحا في سابقة لم يعهدها مواطنوه، وهو الصوت الذي كانوا يشبهونه تندرا بمقرئ البيانات العسكرية.. ظهر هذا الرجل المدني ذو الخلفية القانونية البحتة ليعلن ببرودة دم استثنائية تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، بالإضافة إلى إقالة رئيس الحكومة وترؤسه للسلطة التنفيذية إلى حين تسمية رئيس حكومة جديد. كل ذلك تم وفق الفصل 80 من الدستور في قصر قرطاج الرئاسي، بينما ظل قصرا باردو البرلماني والقصبة الحكومي مغلقين إلى أجل غير مسمّى.

اندفعت الجماهير إلى الشارع من مختلف الفئات العمرية تعبر عن ابتهاجها كاسرة حواجز الحظر الصحي، والتحق بها الرئيس، بينما ظل المثقف التونسي يفتعل الرصانة أمام شاشتي التلفزيون والكمبيوتر.

إن كانت الحرية هي الغنيمة الوحيدة التي ظفر بها المثقف بعد ربيع الثورة الذي لم يكتمل، فإنها قد أصبحت مهددة اجتماعيا لا سياسيا في ظل هيمنة الإخوان وشركائهم على الحكم

بدأت أسارير المثقف التونسي تنفرج رويدا رويدا، ثم دخل الجميع في هذه الاحتفالية أفواجا أفواجا باستثناء قلة محسوبة على جماعة الإخوان وتأكل من موائد الغنوشي وجماعته.

الحقيقة أن مثقفي تونس قد فعلت بهم الأحداث السابقة ما فعلته، وعلّمتهم منذ أزمنة الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي أن الجلوس على الربوة أسلم، لكن ما حدث بعد 14 يناير 2011 جعلهم أكثر جهرا بأصواتهم وإن لم ينأوا بأنفسهم عن الاستقطابات الحزبية والمشاركة في السجالات القائمة داخل البلاتوهات التلفزيونية التي تدرّ الشهرة والنقود.

إن كانت الحرية هي الغنيمة الوحيدة التي ظفر بها المثقف بعد ربيع الثورة الذي لم يكتمل، فإنها قد أصبحت مهددة اجتماعيا لا سياسيا في ظل هيمنة الإخوان وشركائهم على الحكم.

القوانين المتعلقة بالحريات لا تضمن وحدها أمن وسلامة المثقف التونسي، إذ لا معنى لهذه النصوص الورقية أمام التهديدات والاعتداءات الفعلية على المثقف من طرف ميليشيات متسترة في المجتمع، ويحرّكها الإخوان وحلفاؤهم تحت تسميات عديدة: مرة باسم حماية الأخلاق الحميدة، صون الهوية الإسلامية والعربية أو روابط حماية الثورة التي كثيرا ما عربدت في الشارع التونسي وكمّمت الأفواه.

وسط هذه الأجواء الموتورة والموبوءة التي يضاف إليها فقر وفاقة وجائحة وبائية تشل كل نشاط، انبرى المثقف التونسي إلى الصمت والاكتفاء بالمراقبة والتعليق.

كان نموذج المثقف الجريء في تونس أيام حكمي بورقيبة وبن علي هو ذاك “الذي لا يخاف في الحق لومة لائم” ويكسب بعض الشهرة الجماهيرية الواسعة على طريقتي جيلبار النقاش وهشام جعيط لاحقا، لكنه أصبح، وفي ظل تغوّل الإخوان وحلفائهم التكفيريين، هو ذاك الذي “يخاف قول الحق من مدعي الدفاع عن الحق” أي ذاك الذي يتعرض للتشهير والظلم الاجتماعي كما هو الحال بالنسبة إلى المفكر الراحل محمد الطالبي، الذي مات كمدا بسبب تكفيره، مما يذكّر بمحنة الإصلاحي التونسي المنادي بحقوق المرأة في ثلاثينات القرن الماضي الطاهر الحداد.

مثقفو تونس اليوم، المتردّدين منهم والمتحمسين، مبتهجون ويهنئون بعضهم بعضا بعد ما أقدم عليه قيس سعيد، لكن بعضهم لا يخفي توجسه من انتقام جماعة الإخوان الذين يتوزعون على شكل جيوب ظاهرة ومتخفية في مختلف مؤسسات الدولة، وحتى داخل الحي السكني الواحد.

قيس سعيد نختلف معه ولا نختلف عليه.. هذا ما يقوله لسان حال جميع المثقفين في تونس ما عدا الفئة القليلة المرتهنة لدى حركة النهضة. ولن يسمح حراس الكلمة الحرة من المبدعين في تونس بالعودة إلى الخلف.. إنهم ينظرون دائما إلى الوراء بغضب، وتلك سمة المثقف التقدمي بوجه عام، ذلك أن أي فعل إبداعي هو تقدمي بالضرورة وإن لم يحسب على جهة يسارية.

ساند مثقفو تونس بالأمس الحبيب بورقيبة ضد القوى الرجعية المساندة للاستعمار ثم اختلفوا معه في تفاصيل إدارة البلاد، وكذلك هلّلوا لبيان زين العابدين بن علي عام 1987 ثم انفضوا من حوله حين ناقض البيان نفسه بنفسه، وها هم يساندون ويباركون تغيير 14 يناير 2011 ولكن بشروط عديدة ومختلفة، حتى جاء قرار 25 يوليو ليصحح المسارات والمفاهيم، يحاول أن يضع حدا للفساد، وإن لم يستطع فإن شخص قيس سعيد ليس مقدسا.. ولقد تعلم الشعب التونسي عبر مسيرته النضالية الطويلة، وكذلك المثقف في ثباته وتقلباته أن الكلمة الفصل تبقى للشعب الذي لم يفقد البوصلة يوما وإن غُرر به مرات ومرات.

التونسيون جميعا بمثقفيهم وبقية شرائحهم الاجتماعية يريدون أن يرسوا على برّ على مدى المنظور البعيد، ويجعلوا من هذه الخطوة للنظر في دستور البلاد تجنبا للتشتت، فهل ينوي الرئيس الدعوة إلى انتخابات مبكرة، أم سيعمل على تعديل الدستور ويعيد النظام الرئاسي الذي حكم تونس في عهدي الرئيسين بورقيبة وبن علي؟ لا شك أن تونس بعد قرارات قيس سعيد غير تلك التي كانت قبلها وستشهد تغييرات كبيرة سترينا الأيام القادمة مداها وارتداداتها على المستويين الاجتماعي والسياسي.

مثقفو تونس اليوم منسجمون مع أنفسهم كما لم يحدث من قبل، وإن كانت الثقافة من أصلها تراهن على الاختلاف أكثر من النمطية والانسجام.