المثقفون هم الأكثر قدرة على الخيانة

الاثنين 2015/11/16

بداية أجد من واجبي ألا أعمم، فليس كل كتاب الزوايا تنطبق عليهم الأحكام ذاتها، فمنهم من بقي ثابتا ومُخلصا لمواقفه وقناعاته ومبادئه وللمجلات والجرائد التي يكتب فيها رغم مرور سنوات على بداية الربيع العربي. وهؤلاء أكن لهم كل تقدير واحترام مهما كانت مواقفهم، لأن كل إنسان حرّ يحق له أن يعتنق ويؤمن بالأفكار التي يراها مناسبة، لكنني في المقابل لم يعد بإمكاني تجاهل تذبذب الكثير من المثقفين العرب وخاصة الذين يحتلون منابر “ثقافية”، أي تكون لهم زاوية أسبوعية وأحيانا يومية يخاطبون من خلالها الجمهور العربي وغير العربي ويعتقدون أنهم يضيئون أذهاننا بتحليلاتهم الفذة.

لن أذكر أسماء هؤلاء فأعتقد أن الأغلبية ستحزرهم، إذ أنهم قفزوا من موقف إلى موقف نقيض.. ولم يجدوا حرجا ولا خجلا في تغيير أقوالهم وتحليلاتهم بحجة أن “السياسة كدة”.

أحدهم كان يغازل الإسلاميين ثم انقلب عليهم شرّ انقلاب دون أن يشرح لنا الأسباب التي دفعته لهذا التحوّل، وآخر لم يجد مانعا لأن يكتب في ثلاث جرائد متباينة إن لم أقل متناقضة في توجهاتها السياسية والفكرية مقالات أسبوعية أشبه بالهلوسات والهذيانات، كل مقال يتناقض مع المقال الآخر.. ولم يجد البعض أيّ حرج في تغيير المنبر الثقافي أو الزاوية الثقافية التي يكتبون فيها على مدى سنوات إلى الاتجاه المعاكس، وإلى جريدة تختلف جوهريا في توجهاتها عن الجريدة الأولى.

طبعا، لا يجب أن أنسى لغة الشتائم عالية المستوى التي كان يخاطب بها كاتب الزاوية المثقف الكاتب الآخر الذي قفز إلى الطرف الآخر -بعد أن كانا من أعز الأصدقاء وكوجهين لعملة واحدة هي التفكير المُتقارب- لكننا لسنا بحاجة إلى كثير من الفهم والذكاء لندرك ونفهم أن كتاب الزوايا هؤلاء لا تهمهم الشعوب العربية المُنتفضة من أجل الكرامة والحرية والعدالة، فكل ما يعنيهم هو هذا العمود الأسبوعي أو اليومي الذي يقبضون مقابل تحريره مبلغا يسيل له اللعاب.

ويمكنني أن أسرد مئات الأمثلة عن تناقضات مواقف هؤلاء (كتاب الزوايا) وتغيير ولاءاتهم حسب من يدفع أكثر، كما لو أن الأفكار بورصة مالية، ترسو على من يدفع أكثر وتتلون حسب من يدفع أكثر، ولا ننسى المواقف المُخزية والتي شاهدها ملايين المشاهدين العرب من مثقفين وأصحاب مبادئ -كما يدّعون- يتبادلون الضرب والشتم ويضطر مقدم البرامج والطاقم المساعد له من التدخل لإيقاف مجزرة بين أصحاب ربطات العنق الأنيقة الفنانين بالكلام المعسول الذي هو مجرد كلام. أيّ عار أن يكتب أحد هؤلاء رسالة إلى زعيم عربي له شعبية هائلة ومريدون كثر ويصفه فيها بالنزاهة والوطنية وبعد أقل من ثلاثة أشهر يكتب عنه مقالا بأنه مجرم وسفاح. هذه المواقف تدل على احتقار هؤلاء المثقفين -وهنا أقصد كتّاب الزوايا- للمواطن العربي، واستخفافهم بمآسيهم فكل ما يهمهم هو هذا العمود ضمن الصحيفة والذي يقبضون من أجله الآلاف من الدولارات.

ولا أنسى أبدا عبارة قرأتها بأن المثقفين هم أكثر الناس خيانة لأنهم يتعالون على البشر ولأنهم يثمنون أفكارهم. وأحب أن أذكر حادثة واقعية يعرفها الكثيرون فأحد هؤلاء المثقفين السوريين كان ذات يوم في حمص وتناول طعام الغداء عند رياض الترك، المناضل الشيوعي المعروف والذي سجن سبعة عشر عاما سجنا منفردا، وفي المساء تناول هذا المثقف المنافق طعام العشاء في فرع المخابرات العسكرية في حمص. فتأملوا يرعاكم الله كتّاب الزوايا هؤلاء.

كاتبة من سوريا

14