المثقفون يعاملون كفئات هشة ومستضعفة في تونس

وزارات الثقافة تلعب دور التكايا إذا غابت القوانين المنظمة لوضعية المثقفين.
الاثنين 2020/11/16
الفنانون والمثقفون في أزمة

لم تتوقّف الاحتجاجات ضد وزارة الثقافة التونسية، وفي كل مرة تأخذ عنوانا وشكلا. وإن كان هذا في ظاهره أمرا صحيا فإنه ينبئ بخلل خطير إذا ما عرفنا أن جل الاحتجاجات سببها مطالب مادية وعجز الوزارة عن الإيفاء بواجباتها في خلاص المستحقين أو تمويل المبدعين.. إلخ، وهو ما خلق حالة من القطيعة بين الوزارة والمبدعين.

لقد انعقد منذ أيام قليلة في تونس مجلس وزاري مضيق خصص للنظر في الإجراءات الاستعجالية لفائدة القطاع الثقافي في إطار الحد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا.

وبحسب مكتبه الصحافي ونشرة الأخبار الرسمية، أكد رئيس الحكومة هشام المشيشي انشغاله بوضعية الفنانين و”تقديره لأهل الثقافة والفكر والإبداع وإيمانه بدورهم الوطني”.

وفي هذا الإطار تم إقرار إعادة جدولة الديون المتخلّدة بذمة الفنانين والمبدعين والمؤسسات الثقافية بعنوان انخراط في منظومة الضمان الاجتماعي، وكذلك مضاعفة الراتب التقاعدي لفائدة الفنانين والمبدعين والمثقفين المشمولين بنظام التغطية الاجتماعية الخاص بالحقل الثقافي.

 وأضاف الخبر الذي استقبله الكثير من العاملين في المجال الثقافي بالرضا والابتهاج، بأنه قد تم تخصيص ميزانية إضافية في نهاية سنة 2020 لتغطية المساعدات الاجتماعية الظرفية للفنانين والمبدعين والمشتغلين في القطاع الثقافي لتبلغ قيمة هذه الأموال المخصصة للغرض 6 ملايين دينار (قرابة اثنين ونصف مليون دولار).

كما “بشّر” هذا الخبر أهل الثقافة بما سماه “التبسيط في الإجراءات المتعلقة بدفع مستحقات الفنانين والمبدعين والمثقفين، بالإضافة إلى اعتماد بروتوكول صحي خاص بالأنشطة الثقافية ابتداء من 15 نوفمبر 2020 مع مراعاة تطور الوضع الصحي”.

تمويل الثقافة

خبر قد يبدو مفرحا في ظاهره لمثقفي تونس وفنانيها، ويحمل بوادر الأمل والانفراج، لكنه قاتم في باطنه، ويحجب حقائق ومشكلات ينبغي الوقوف عندها لمجرد الاطلاع على طرق معالجتها والتصدي إليها، ذلك أنّ أهوال الأمراض تُعرف من نوعية الأدوية ومضاعفاتها الجانبية.

الحق المكتسب يصبح هبة وعطية لدى الحكومات المقصّرة في حق مبدعيها، والذين تعاملهم معاملة الزائد عن الحاجة

هذه المبادرة الحكومية التي وصفت بـ”الإجراءات الاستعجالية”، ما كان لها أن تتصدر نشرات الأخبار، وتصاغ على شكل خبر عاجل يحتل أسفل الشاشات لولا التأخر في اتخاذها، فهل يشكر المثقف التونسي فايروس كورونا الذي بفضله اتخذت الحكومة هذه “الإجراءات الاستعجالية”.

ألا يشبه الأمر الخبر القائل إن “القطار جاء في موعده”، ويجعل المثقف أشبه بالحمّال البسيط الذي أضاع حماره في الأسواق فبكى عليه بكاء مريرا ثم وجده ففرح لذلك فرحا شديدا، وكأن الحظ ابتسم له ورُزق حمارا جديدا، في حين أن المنطق يقول إنه لم يربح شيئا سوى أنه قد استعاد حماره.

لنتجاوز فكرة أن الحق المكتسب يصبح هبة وعطية لدى الحكومات المقصّرة في حق مبدعيها، والذين تعاملهم معاملة الزائد عن الحاجة، لنستقرّ عند سؤال جوهري قد يقدّر الدول والحكومات ذات الموارد الاقتصادية المحدودة، في التفاتتها للثقافة والمثقفين أمام تحديات اجتماعية واقتصادية، وأولويات واستحقاقات أخرى، وهو: لماذا لا تمول الثقافة نفسها بنفسها، ولا تبحث لها عن مصادر تمويل في القطاع الخاص والجمعيات الأهلية وصناديق الدعم دون أن تثقل كاهل ميزانية الدولة التي يمكن لها أن تكتفي بـ”اللازم والضروري” في المجال الثقافي، كما هو الشأن في البلدان المتقدمة، وتترك الباقي لمبادرات القطاع الخاص مقابل إعفائه من بعض الضرائب؟

إنه لمشهد بائس ومهين للمثقف قبل غيره أن تدخل مبنى وزارة الثقافة في تونس وتفاجأ بحشد هائل من المنشغلين في الشأن الثقافي، ينتظر كل منهم دوره لمقابلة الوزير أو أحد معاونيه بقصد طلب الحصول على دعم أو مساعدة، إلى درجة أن أحد الصحافيين في تونس مثلا، قد شبه هذا المبنى بالتكية.

حلول ترقيعية

واجب رد الاعتبار
واجب رد الاعتبار

مشكلة أخرى أشد تعقيدا من معضلة كيفية دعم المثقفين والفنانين والإحاطة بظروفهم الاجتماعية والمهنية، وهي هل أن كل واحد من هذه الجماعات المحتشدة والمحتجة والمعتصمة يستحق لقب فنان أو مثقف؟ من أولى بالدعم والمساعدة وما هي المقاييس والمعايير الواجب اتخاذها حتى لا يختلط الحابل بالنابل، الحقيقي من المزيف، والمبدع من المدعي والمشعوذ؟

أما الأهم من ذلك كله، فهو السؤال الأساسي: هل أن المساعدات الاجتماعية إزاء هذه الفئة أو غيرها هي من مهمات وزارة الثقافة أو أي مؤسسة أخرى من مؤسسات الإشراف؟ أليس من الأجدر تسوية وضعيات هؤلاء داخل الهياكل المسؤولة في الدولة التي من واجبها توفير الكرامة لجميع مواطنيها دون تمييز أو إقصاء، والوقوف على مسافة واحدة مع الجميع.

إنه لمن المؤسف أن يعامل المثقفون والفنانون كفئات هشة ومستضعفة في المجتمع فينتظرون “التفاتة” إنسانية من حين لآخر، ويشكرون أصحاب المبادرة أو يحتجون عليها أو يطالبون بتعزيزها.

لجان تقييم الأعمال الفنية يقع التشكيك في أعمالها ونواياها دائما في مثل هذه الحالات من بلدان ما يمكن تسميتها بـ”الريع الثقافي”، ذلك أن المحاباة والمحسوبيات تكثر وتزدهر في مثل هذه الفوضى، وفي غياب القوانين المنظمة للعمل الثقافي، وإدراجه ضمن جداول وقنوات واضحة وبعيدة عن اللبس والضبابية. ما أقدمت عليه الحكومة التونسية من “إجراءات استعجالية” هي حلول ترقيعية تستند إلى ميزانيات تكميلية في حالات ظرفية واستثنائية بسبب جائحة كورونا، أما وقد انجلت الجائحة كما نتمنى بعد أشهر فستعود حليمة إلى عادتها القديمة، وتتفاقم المشاكل أكثر من السابق، على اعتبار أن هذا الاستثناء سيصبح قاعدة، ويطالب الكثيرون بتثبيته وديمومته، وسترد الحكومة بأنها غير قادرة على اعتماده بشكل دائم، وسوف ندخل في دوامة لا أول لها ولا آخر.

14