المثقف أمام امتحان التاريخ، على عتبة عام جديد

الأحد 2014/12/28
سهولة الامتحان تكمن في الموقف

يقف المثقف، في لحظات الانفجار التاريخي في مجتمعه، في لحظة امتحان صعب وسهل في آن.

أما سهولة الامتحان فتكمن في الموقف، في الانحياز، لأن الانفجار التاريخي هو في حقيقته صراع، تناقض يعبر عن نفسه في انكشاف صريح للقوى. وفي هذه الحال من السهل على المثقف أن يعلن بكل وضوح /أنا مع /أنا منحاز إلى../بمعزل عن ماهية هذا الانحياز ومنطلقاته الأيديولوجية والسياسية والطبقية.

فيما تكمن صعوبة الانحياز في التعبير النظري الفلسفي والأدبي والفني عن الموقف، لأن ذلك يتطلب توظيفا ذكيا لقدراته الإبداعية.

من الصعب عليّ الآن أن أرصد تنوع التعبير النظري والجمالي للمثقف الشامي عموما والمنحاز إلى الثورات العربية، ولهذا سأتوقف عن الخطاب الفكري الثوري الشامي في امتلاكه النظري للتاريخ المنفجر، والكشف عن القول بوصفه موقفا انطلاقا من فكرة ما قيل وما لم يقل في هذا الشأن.

لقد انحازت النخبة الفكرية عموما إلى الثورة، و يندر أن تجد مثقفا ذا حضور في الحياة الفكرية لم يعلن انتماءه عمليا ونظريا لحركة الشعب السوري.

لقد انصب الخطاب الفكري لدى الجميع أولا على تحليل بنية النظام وفهم شروط انطلاق الثورة، في إطار موقف رافض للنظام ممارسة وخطابا زائفا.

وهذا ينسحب على الجيل القديم والمتوسط والجديد من المثقفين السوريين والفلسطينيين السوريين. وما الدراسات التي ظهرت على امتداد سنوات أربع في المجلات المعارضة إلا تأكيد لقولنا هذا.

كشفت الدراسات المتنوعة عن العصبية السلطوية وممارستها الفساد بارتباط بالقمع

صحيح أن المستوى النظري، بشكل عام، لم يرتق إلى كشف التاريخ فلسفيا، لكنه وضع يده على ماهية بنية النظام وماهية ممارسته التسلطية، لقد كشفت الدراسات المتنوعة عن العصبية السلطوية وممارستها الفساد بارتباط بالقمع، ودورها في تحطيم البنية الوطنية والعقد الوطني للاستقلال، كما كشفت عن هشاشة الخطاب السلطوي، لكن الوصف قد غلب على مثل هذه الدراسات. و لم تغتن بسؤال لماذا.

إن السؤال هو ما هي البنية التي سمحت بتكوين عصبية سلطة تسيطر خلال خمسة عقود على أمور العباد والبلاد؟ كيف انهار العقد الوطني ولماذا؟

العالم الذي لم يدخله الكثيرون والذي حاولنا فضه هو عالم الهويات الظاهرة والهويات النائمة والهويات الأصيلة والهويات الزائفة والهويات المعندة، وكيف وجد المجتمع السوري نفسه بعد انهيار سيطرة السلطة أمام حضور كل هذه الهويات مجتمعة وفي حالة تناقض وصراع.

لقد كان من شأن الوعي بهذا الأمر الهام أن ينير درب الخلاص والوصول بالعملية التاريخية إلى مآلاتها العقلانية أو المعقولة والطبيعية.

وفي الوقت نفسه فإن دراسة الهويات الفاعلة الآن والكشف عن ثقافتها الموضوعية من شأنه أن يحدد ملامح البديل الممكن عبر الثورة، وبخاصة إذا ترافق هذا التحليل الأنتربولوجي مع تحليل طبقي راهن. والكشف عن الفئات الاجتماعية الفاعلة وانتماءاتها الطبقية وخياراتها السياسية. وخاصة للفئات الفاعلة والمتصارعة.

وإذا كان صحيحا أن البديل النظري للنظام المستبد كان واضحا لدى المثقف الديمقراطي – العلماني والحداثوي فإن الطريق لتحقيق هذا البديل لم يخضع لتأمل سوسيولوجي فلسفي نظري، لا سيما أنه ليس البديل الوحيد المطروح على الساحة.

ولعمري إنّ فهم المجتمع والقوى الثورية وثقافتها وهوياتها وكشف الأمر نفسه بالنسبة إلى الثورة المضادة يساعدنا جدا على رصد العلائق بين الواقع والإمكانية، واختيار الممكنات الثورية كي تكون الإرادة فاعلة ومثمرة. فالممكنات الثورية تواجه ممكنات نكوصية لا يمكن فهمها دون فهم ما أشرت إليه من هويات.

وإذا كان صحيحا أن انطلاق الثورة السورية قد تم دون مشروع نظري واضح فإنه ليس من الحكمة بمكان تركه دون مشروع كهذا.


كاتب وأكاديمي من فلسطين مقيم في الإمارات

11