المثقف التونسي واستشراء ثقافة العنف

السبت 2013/08/24
المتطرفون يكشفون عمقهم الآسن

تونس - تفشت في الآونة الأخيرة ظاهرة العنف والاغتيالات السياسية في بلدان ما يسمى بالربيع العربي بشكل كبير، إلى درجة لفتت إليها الأنظار وتركت فيها بصمات وتأثيراث نفسية ومعنوية واجتماعية واقتصادية بين صفوف كل مكونات المجتمعات العربية.

لم يفق المجتمع في تونس بعد من صدمة اغتيال الشهيد شكري بلعيد عندما نزل عليه خبر اغتيال المناضل محمد البراهمي كالصاعقة. وقد خلفت هذه الحادثة صدمة كبيرة في المجتمع التونسي بكل تلويناته وأطيافه وردود فعل موحدة من المواطن البسيط إلى الأحزاب السياسية إلى منظمات المجتمع المدني، حيث هبوا سريعا إلى الشارع منددين بهذه الجريمة السياسية البشعة ومعبرين عن أساهم ولوعتهم وحجم الرجة التي حصلت لهم.

ولتأصيل ظاهرة العنف المتفشي والاغتيالات السياسية الغريبة عن المجتمع التونسي والاقتراب أكثر من ردود أفعال بعض المبدعين التونسيين وما خلفته هذه الظاهرة والحادثة الأليمة في نفوسهم ووجدانهم عاطفيا ومعرفيا وثقافيا، كان لابد لنا من هذا التحقيق في شكل سؤال طرحناه على نخبة من المثقفين التونسيين، وصورته: كيف تلقيت خبر اغتيال الشهيد محمد البراهمي وبما أحسست تجاه هذه الرجة والموجة من العنف كمثقف ومبدع تونسي. وكيف ترى مستقبل تونس وسط هذه الأحداث المتسارعة والعنف المتفشي وما هو دور المثقف والمبدع في مقاومته بوسائله المعرفية الإبداعية؟

الروائي إبراهيم درغوثي يقول في هذا الشأن: "منذ ستة أشهر تقريبا أي يوم 6 فبراير-شباط الماضي وصلني نبأ استشهاد المناضل شكري بلعيد. كان الخبر رهيبا حتى أنني ما قدرت على تصديقه للوهلة الأولى. فمنذ الاغتيال الشهير للنقابي فرحات حشاد ظل دوي الاغتيالات السياسية خافتا في تونس (خاصة أن الاغتيالات التي جرت في بداية الاستقلال بين أنصار بورقيبة وابن يوسف بما فيها اغتيال هذا الأخير لم تجد الصدى الكبير في ظل حكم المجاهد الأكبر) إلا أن ما وقع صبيحة 6 فبراير الماضي كان له وقع الصاعقة علي، فالشهيد رجل سياسة بامتياز أكن له احتراما كبيرا وأتعاطف مع مواقفه السياسية بشكل كبير. ولئن فاجأني خبر الاغتيال للوهلة الأولى فإنني بعد الاستفاقة من هول الصدمة تذكرت أن لهذا المناضل الكبير أعداء في الساحة التونسية وأن هناك من دعا إلى قتله على منابر الخطابة في المساجد. ولكن ما دعاني إلى الاستغراب في عملية استشهاد الرفيق محمد البراهمي هو أن هذا الرجل من طينة أخرى، فهو يبدو هادئا في كل مواقفه ويتصرف حتى في أحلك الظروف بحكمة أجداده الهمامة. فهذا الناصري العروبي المناضل في الجبهة الشعبية بإصرار ظل بعيدا عن صخب الظهور المشهدي على الساحة السياسية في تونس ولم أكن أتوقع أبدا أن تمتد له يد الإرهاب بالقتل. ولكن ظهر أن تخميناتي لم ترتق إلى مقاصد الإرهابيين في كتم كل الأصوات التي تناصبهم العداء سواء كانت صاخبة هادرة كصوت شكري بلعيد أو هادئة رصينة كصوت محمد البراهمي.

إن تونسنا الجميلة التي لم تتعود على هذه الأجواء الملبدة بغيوم الإرهاب تعيش الآن لحظة فارقة. ولئن مرت لحظة الاغتيال الأولى دون أن تحدث الصدمة الكبرى لدى كل الفرقاء السياسيين الذين صدقوا حسن نوايا "الترويكا"، فإن الاغتيال الثاني لمناضل كبير في الساحة السياسية التونسية لن يمر دون أن يحقق ما عجز عن تحقيقه اغتيال شكري بلعيد. فتونس ما قبل 25 يوليو لن تكون أبدا تونس ما بعد ذاك التاريخ".

الاختلاف والتعايش

تقول الفنانة آمال الحمروني:"لقد انتابتني الكثير من الأسئلة والأحاسيس وتشوش ذهني بعد حادثة اغتيال الشهيد محمد البراهمي، فالاغتيال كان متوقعا ولكن بقي فقط الشخص المقصود وتاريخ التنفيذ وهذا نتيجة لما نعيشه من توتر وعنف منذ فترة ليست بالقصيرة. وهي مؤشرات أصابتنا بالخوف والإحساس بأن شيئا ما سيحدث وسيقع اغتيال آخر شبيه باغتيال لطفي نقض وشكري بالعيد، وبدا واضحا أن الدولة ومؤسساتها أصابهما الوهن والانفلات ولم تعودا قادرتين على حمايتنا وحفظ أمننا، وهذا كله طبعا نتيجة طبيعية لـ"الزلزال الكبير" الذي وقع في تونس والمنطقة العربية ككل رغم أن الشعوب كانت تمني النفس بمرحلة استقرار وتوازن وواقع أكثر حرية وديمقراطية.

آمال الحمروني: من يجب على الاسئلة؟

هذه الحكومة عجزت عن حمايتنا وعن توحيدنا، فالنجاح الوحيد الذي يحسب لها هو بث الفرقة والتشجيع على العنف وتقسيم النخب والشعب. شخصيا لم أفق بعد من صدمة اغتيال الشهيد شكري بلعيد حتى نزل علي زلزال آخر هو اغتيال الفقيد محمد البراهمي.

وعكس شكري بلعيد الذي أعرفه عن قرب فإن الشهيد محمد البراهمي التقيته في مرات قليلة، وهو شخص خلوق ومعتدل كثيرا وبشوش ومدافع عن الحق وربما هذا ما عجل باغتياله، وسيعجل باغتيال شخصيات أخرى معروفة بدفاعها عن المد الثوري والحريات.

وبالنسبة إلى إمكانية ظهور عمل إبداعي عن هذا الحدث الجلل أعتقد أن اللحظة الإبداعية متوقفة الآن، والتفاعل صعب أن يتم بعد هذه الفترة القصيرة من الاغتيال، يجب أن تكون هناك مسافة فاصلة بما يكفي لإنتاج عمل جيد ومتقن، وربما أصارحك بأنني كنت بصدد التحضير لعمل فني عن الشهيد شكري بالعيد وهو في اللمسات الأخيرة، ولكن بعد حادثة الاغتيال وما وقع لجنودنا في جبل الشعانبي أحسست أنه لابد من التريث ولابد من تعديل هذا العمل بما يتماشى والأوضاع الراهنة والمستجدات المتسارعة.

أعتقد أنه علينا أن نكون في نفس القطار مهما كنا مختلفين ويجب أن نسعى للتعايش حتى يصل القطار إلى بر الأمان. وآمل أن يكون الغد أفضل مهما كانت الصعوبات والعراقيل، وهذا ما نؤكد عليه في كل أغانينا ومشروعنا الفني ككل، ولعلني هنا أستحضر هذا المقطع من أغنيتي "هيلا هيلا يا مطر" التي كتب كلماتها الشاعر المتميز أدم فتحي حيث يقول: "قَطْرةْ قطْرَة عَ الدُرُوبْ/غَنِّي لِعْطَش القُلُوبْ/ وما تْخافِي السَحابْ يا خضْرا/ الصَفْو مِنْ بَعْد الكدَرْ/ ضُمِّينِي وبِلِّي لِي رِيقِي/وغَطِّي بِلْحافِكْ رَفِيقِي/ مَهْمَا عَثَّرْنِي طَرِيقِي/ المَسِيرَةْ تَسْتمرّ…"

ثقافة التسامح

الشاعر محمد الخالدي يذهب إلى القول إنه "بقدر ما وقع خبر استشهاد المناضل محمد البراهمي علي وقع الصاعقة فإنني لم أتفاجأ مع ذلك بنبأ استشهاده، فقد كانت كل الدلائل تشير إلى وقوع مثل هذه الجرائم نظرا لأن المناخ العام مهيأ لها. وهذا أيضا نتيجة طبيعية لما أحسسناه ولاحظناه من تحريض على العنف في الأماكن العامة وفي بعض وسائل الإعلام. عملية الاغتيال هذه غايتها القضاء على ثقافة كاملة هي ثقافة المعرفة والتسامح والحوار، فمرتكبو مثل هذه الجرائم عادة ما يكونون مسكونين بقوة تدميرية هائلة تقود دائما إلى العنف وإلغاء الآخر المغاير لتوجهاتهم الظلامية".

محمد الخالدي: بلد الجريمة

ويضيف الخالدي قائلا:"شخصيا لم أعرف الفقيد عن قرب، ولكنني أعرف سيرته وتوجهه الفكري الأيديولوجي المعتدل والقريب من فكري وفكر كل إنسان يؤمن بثقافة الحوار والنقاش والديمقراطية. ويبدو أن خيارات الشهيد محمد البراهمي القومية العروبية المنفتحة على الثقافات الأخرى كانت السبب المباشر في اغتياله، إضافة إلى ارتباط عملية الاغتيال بما حدث في مصر مما يعني أن تصفيته كانت انتقاما لإزاحة الإخوان من السلطة. وككاتب، تنبأت سنة 2009 بما يحدث اليوم في قصيدة "سيرة الشبيه" من ديوان مدينة الأنقاض. لذلك لم أفاجأ بموجة الظلام التي عمت المنطقة العربية بعد ما يسمى بالربيع العربي.

اليوم التحدي مطروح على المبدع والمثقف كي يقاوما هذا المدّ الظلامي من موقعهما ومواقفهما وكتاباتهما وأعمالهما وانخراطهما في النضال المعرفي والسلمي ضمن منظمات المجتمع المدني، ونشر الوعي في المجتمع ومقاومة كل أشكال الموت التي يزرعها الظلاميون، خدمة لأجندات مشبوهة لعل أبرزها الأجندا الصهيونية.

ومثل هذه المجموعات والتنظيمات المتجلببة بجلباب الدين وهو منها براء، تسعى إلى تقسيم الأقطار العربية أفقيا وعموديا وفي حالة لم يتوفر عامل التقسيم هذا كتعدد الأعراق والطوائف فقد عمدوا إلى تقسيم المجتمعات إلى مسلمة وكافرة.

وفي الأخير لابد من الإشارة إلى أن مقاومة ومناهضة مثل هذه المشاريع الإخوانية الظلامية تتوقف على قدرة النخب المثقفة على بث الوعي والممانعة من خلال مشاريع إبداعية وثقافية واضحة، وكذلك على قدرة المجتمع المدني التونسي والعربي على التوحد والصبر".

الفن والمستقبل

يقول الفنان لزهر الضاوي: "لقد صعقني نبأ اغتيال الشهيد محمد البراهمي ولم أصدق الأمر في البداية ثم انتابتني نوبة من الحزن العميق والغضب العارم. كان إحساسي جارفا بمقدار ما أكنه للشهيد من مودة وتقدير، فمحمد لم يكن يبدو لي شخصا عاديا ككل "الشخصيات الكرتونية" البادية في المشهد، بل كان يختزل في نظري كل القيم الأصيلة المهددة بالانقراض.. كان يحيلني إلى ذلك الزمن الجميل أيام كنا نتحلق كبارا وصغارا حول المذياع للاستماع لخطابات عبد الناصر ونحلم بالوحدة العربية وتحرير فلسطين… ولقد تفاعلت فوريا مع الحدث من خلال قصيدة شعرية باللهجة التونسية كتبتها يوم الجريمة وخاطبت فيها من أعتقد وأحس أنهم القتلة وكان عنوانها "قتلتوه ؟؟" عبرت من خلالها عن الأحاسيس التي كانت تضطرم بداخلي. وهذا مطلعها: "قتلتوه… كما خوه يا رهدانة/ وفتوا على الإعلام بالإدانة/ قتلتوه راجل أحمر … آه يا "الصحبي"/ وجبتوا خطاب تنديد يا سكبانة/ موش أمس بركة وقفت أنت تهدد/ تقضي على التمرد وشبانه؟ واليوم أنت أشبيك عاجز تشهد/ عالغدر والنفاق والخيانة../ قتلتوه راجل حر اسمه "محمد"/ عمره ما طاق الذل والإهانة/ قتلتوه راجل حر قام تمرد/ في الحق ما عمره بلع لسانه".

لزهر الضاوي: أخبارنا صاعقة

أما عن تصوري لمستقبل البلاد عقب هذه الفاجعة وتفشي ظاهرة الاغتيالات والعنف فإني أعتقد بأنه تنتظرنا أيام صعبة ضد قوى الشر والظلام المبشرة بثقافة الموت.. أشعر بأننا "بين هلالين" ولن يكون الخروج منهما سهلا ولكنه ليس مستحيلا إن تكاتفت كل الجهود النيرة والخيرة وقام المثقفون بأداء واجبهم التاريخي والأخلاقي المتمثل في نشر ثقافة الحياة والنور وعاضدهم في ذلك رجال السياسة وكل القوى الفاعلة في المجتمع وخصوصا منها الشباب الثائر.. النفاذ إلى المستقبل المشرق ممكن والنصر ممكن وسنهديه لشهيد الحرية والكرامة محمد البوعزيزي".

17