"المثقف الثالث" كائن من نوع جديد لم تعرفه البشرية من قبل

زين عبدالهادي يؤكد أن المجتمعات الإنسانية لا تعمل بشكل عالمي على توفير بيئة علمية ومعرفية قادرة على الإبداع والخيال.
الأربعاء 2019/05/01
في العالم النامي ينسحق المثقف التقليدي (لوحة للفنان بسام الإمام)

الحديث عن التجارب الغربية في مجال تحديث الثقافة، وهو أمر هام لأن النماذج من السهل تقليدها ومواءمتها، لكن في ظل بيئة ثقافية متعثرة للغاية كما هو الحال في الدول النامية يصبح من المستحيل مجرد تقديم نموذج من هذا التحديث، لأن النموذج وجد في سياق اجتماعي وبيئة معرفية متقدمة، إذ نقلنا النموذج منها كما هو فإنه سريعا ما سيحتضر، لذلك لا بد من بيئة موازية تضمن استدامة النموذج والبناء فوقه.

  القاهرة – يؤكد زين عبدالهادي في كتابه ”المستقبل الشائك.. تحديات الثقافة والمعرفة في الدول النامية” أن هناك ثغرة أو فجوة ثقافية ومعرفية في ذات الوقت نعيشها جميعا ومنذ سنوات طويلة، وذلك يترك أثارا سلبية للغاية على المستقبل، ومع اتساع هذه الفجوة يتحول الأمر إلى حالة من المتلازمة المرضية الدائمة التي لا علاج لها، ويبدأ البحث عن الحلول دائما مع اعترافنا بأن هناك مشكلة ضخمة، ولكن كما يقول العلم فإن العلاجات السطحية والمؤقتة لا تصنع مجتمعا سليما.

العالم تغير

لا يعلم الكثيرون أن دخول العصر الصناعي قد مهّد لظهور مثقف من نوع جديد، إذ إنه منذ مئة عام أشارت فيرجينيا وولف إليه بجملة قالتها “العالم تغير”، حيث أن التحولات الكبرى منذ هذا التاريخ أنهت تماما مفهوم المثقف التقليدي، الذي مازلنا نحتفظ به لدينا، المثقف في العالم العربي هو ابن العصر الزراعي والبداوة، مهما فعلنا من إرسال بعثات: علمية وفنية وثقافية وأساتذة جامعات للخارج، فلن يكون سد الفجوة المعرفية إلا بإنتاج معرفة رصينة داخل المجتمع ذاته لنتوقف عن استيرادها، وإنفاق المليارات عليها، ولإنتاج هذه المعرفة لا بد لها من شروط، ولكي تتغير ثقافة المجتمع فلا بد أن تتغلغل تلك المعرفة في عروقه، وإلا سيحدث ما نراه الآن من تطرف وإرهاب، وتوفير بيئة خصبة للأفكار المتطرفة والهدامة.

ويرى عبدالهادي في كتابه، الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن ما نراه في العالم من تصلب الثقافة وتوافر الأموال يؤدي لتلك الحالة من استيراد المعرفة، نزيف من الموارد الضخمة، دون أن تعمل المجتمعات الإنسانية بشكل عالمي على توفير بيئة علمية ومعرفية قادرة على الإبداع والخيال. وهو ما قد يحتاج لدراسات سوسيو معرفية عميقة للغاية، يمكن معها توفير الحلول.

لا يمكن لمعرفة أن تتقدم دون أن تكون الثقافة هي اللاعب الذي سيسمح لها بالتوغل في أعماق العقل الإنساني

كما أنه مع التحولات الهائلة في نهاية الألفية الثانية وبعد “الثورة العلمية”، التي يصفها جون بروكمان في كتابه “الثقافة الثالثة”، وظهور مجتمع المعرفة حدث أن ظهر مثقف من نوع جديد لم تعرفه البشرية من قبل، وهو الذي يسمى “المثقف الثالث”، وفقًا لنظرية جون بروكمان، وهو أمر يحتاج للنقاش، حيث أن هذا المثقف الذي يجمع بين العلم والتخصصية العلمية من جانب، وبين الموهبة الفنية والأدبية من جانب آخر، وهو يلاحق ما يحدث من تطور ويستطيع أن يتكلم تلك اللغة العلمية، ومع ذلك مازلنا في العالم العربي نتحدث عن الدور التقليدي للمثقف، ما يحيلنا إلى التساؤل كيف يمكن أن نتحدث عن هذا الدور في ظل تغير العالم وتحولاته.

في العالم المتقدم تغير نوع المثقف نفسه واهتماماته وميوله، وربما في العالم النامي انسحق المثقف التقليدي، وربما تم قمعه بشكل أو بآخر، لذلك لم يعد المثقف مسموعًا حين بدأ اختفاء عدد كبير من مثقفي القرن الماضي -في نهايته تحديدا- بالموت والانسحاب من الحياة الثقافية، أو محاولات استقطابه من جهات متعددة، أصبح المثقف في حاجة لإعادة تشكيل نفسه في ظل ظهور أدوات جديدة للمعرفة، وفي ظل ارتفاع وعي جمعي نتيجة الاحتكاك الظاهري بالآخر وليس نتيجة ممارسة معرفية حقيقية، وعلى ذلك تبرز الأسئلة، فمن هو مثقف عصر المعرفة الجديد؟ وهل دوره سيظل هو الدور التقليدي أي مراقبة المجتمع ومحاولة إصلاح عيوب كل أطرافه؟ كما أن هناك أسئلة مصاحبة أخرى، مثل هل سيختفي عصر الصحيفة الورقية والكتاب الورقي والإذاعة والتلفزيون أو الأدوات التي ظهرت مع العصر الصناعي؟ وهل وجود مجتمعين هما المجتمع الطبيعي ومجتمع الإنترنت يتطلب من المثقف أدوارا جديدة؟ وهل عليه أن يكتب كل لحظة وليس كل يوم أو كل أسبوع كما كان يفعل في عصر ما قبل عصر المعلومات، وذلك لملاحقة الفيضان الهائل من الأخبار وليتطبع مع وسائل التواصل الاجتماعي وما فرضته عليه من تحديات واستجابات لا بد منها، وإلى أي حد يمكنه أن يتمرد بعدما نجح استقطابه، إنها أسئلة من نوع جديد تمهّد لظهور “المثقف الثالث”، أو مثقف عصر المعرفة.

مفهوم الثقافة

إعادة بناء الثقافة
إعادة بناء الثقافة

عن مفهوم الثقافة في المجتمعات النامية، يؤكد المؤلف أن هناك تفسيرات متعددة لعلماء من مختلف التوجهات لمفهوم الثقافة، ويمكن أن يرجع ذلك للنظرة المتخصصة لكل منهم من جانب، والجمود العلمي من جانب آخر، إذ اختلطت العقلية العلمية بعقلية بيروقراطية فأوجدت جمودا علميا من ناحية وجمودا ثقافيا من ناحية أخرى.

إن الجانب المهم هو المعرفة أولا كمكوّن من مكوّنات الثقافة، فالثقافة في أحد تعريفاتها هي طريقة حياة المجتمع وسلوكه والقيم الشائعة داخله والأفكار السائدة، هذا السلوك وهذا الفكر (الثقافة) التي تقود إلى المعرفة، فإذا حدث وكان هذا السلوك متدنيا، وكانت أفكار المجتمع تختلط بها أفكار يمينية أو جامدة تعمل على قمع المعرفة، فإننا في تلك الحالة يجب أن نعيد بناء هذه الثقافة حتى يمكن للمجتمع أن يتقدم معرفيّا وحضاريّا.

ويلفت عبدالهادي إلى أن كتابه بمثابة عمل مختصر يقع في مجال العلوم البيئية في منطقة بين علم المعلومات والأنثروبولوجيا، خاصة الأنثروبولوجيا الثقافية ونظرية المعرفة، فالعمل أقرب لتشريح مفهوم المعرفة ومفهوم الثقافة، والعلاقة التاريخية بين المصطلحين، فلا يمكن لمعرفة أبدا أن تتقدّم دون أن تكون الثقافة هي اللاعب الأول وربما الأخير الذي سيسمح لهذه المعرفة بالتوغل في أعماق العقل الإنساني، لتخرج بلورته المتوهجة بما يمكنها من خدمة الإنسانية كلها. دون ذلك يمكن للمعرفة أن تتقدم ولكن دون تأثير ما في العقل الجمعي، ومن هنا تتكون الفجوة الحضارية والثقافية والمعرفية.

ويشير المؤلف إلى كتاب طه حسين الرائد “مستقبل الثقافة في مصر”، وهو كتاب ولو كان قد تم تنفيذ ما جاء به في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، لتغير حال مصر تماما، إذ كان طه حسين ينظر إلى التعليم على أنه “كالماء والهواء” والمحرك الأساسي للثقافة، أو أنه جوهر التغيير الثقافي، ومع اتفاقه التام معه، لكن هناك تطورات حدثت في السنوات السبعين الماضية غيّرت كثيرا من المفاهيم المتعلقة بالثقافة، إذ لا يمكن أن ننسى تجربة مهاتير محمد في ماليزيا الذي نهج طريق طه حسين، وكذلك تجربة الصين منذ عام 1949، وكذلك كثير من تجارب الشعوب التي انتقلت من مصاف الدول النامية إلى الدول المتقدمة لأنها آمنت بالتعليم كوسيلة للنقلة الثقافية والحضارية.

14