المثقف الحربائيّ

الخميس 2017/05/18

خلال الحملة الانتخابية الفرنسية الأخيرة، ضبط الملاحظون زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان متلبسة بالسرقة الأدبية، أي ما يسميه العرب وقوع الحافر على الحافر، إذ سطت على فقرات طويلة من خطاب كان ألقاه مرشح الجمهوريين اليميني فرنسوا فيون، ثم اتضح أن كاتبه، بول ماري كوتو، هو الذي وضعه بين يدي لوبان بعد أن كان “وصيف” فيون، يحرر له خطبه.

هذا الرجل يصح عليه المثل التونسي “مع الواقف ولو كان حمارا”، فقد تنقل من اليسار إلى اليمين المتطرف، عارضا خدماته على زعماء أحزاب لا يوحّدها برنامح انتخابيّ ولا خلفية أيديولوجية، من بيير شوفانمان اليساري الحمائي، وفيليب سوغان الديغولي، وفيليب دو فيلييه اليميني السّيادي، وفيون اليميني الكاثوليكي، فقط طمعا في حظوة لدى من يراهن على انتصارهم. كان حتى وقت قريب يحضر اجتماعات فيون بانتظام، فلما تراجعت حظوظ زعيم “اليمين غير المعقّد” في استطلاعات الرأي، انتقل إلى صفوف لوبان لنفس الغاية، دون أن يرى حرجا في جعل زعماء متناقضين سياسيا في الغالب ينطقون بالكلام نفسه، بل هي براغماتية، كما يقول. والأعجب أن الخطاب المعنيّ لم يكتبه خصيصا للمناسبة، بل استلَّهُ من كتاب كان نشره عام 1997 بعنوان “أوروبا باتجاه الحرب”.

مثقف آخر، هو جوزيف ماسي سكارون مدير مجلة “ماريان” اليسارية، فقد كشفت صحيفة “لوكانار أنشيني” (التي نشرت فضائح فيون وكانت سببا في سقوطه المدوي) أنه التحق بفريق مرشح الجمهوريين ليضفي على خطبه تشددا ينافس بواسطته لوبان، من جهة الأمن والهجرة والإرهاب. ثم اتضح أنه انتهازي يستعمل الأيديولوجيا لغايات نفعية، ما انفك يتنقل من اليمين المتطرف كانتمائه إلى مجموعة “أبحاث ودراسات الحضارة الأوروبية”، إلى مناصرة العودة إلى الملكية، ومخالطة الوسط مع فرنسوا بايرو، ثم الديمقراطية المسيحية مع جاك بارّو، مثلما تنقل من صحف اليمين كـ “لوفيغارو” “ولوفيغارو ماغازين” إلى “ماريان” التي أسسها الشيوعي جان فرنسوا كان، أول من كشف عن قضية المهدي بن بركة. هذا العلماني بدأ ماسونيا، ثم كاثوليكيا، وأرثودوكسيا، قبل أن يدّعي انتماءه إلى أسرة يهودية بوشم نجمٍ سداسي على ذراعه، سرعان ما غطّاه برسم ماوري.

كلاهما، كوتو وماسي سكارون، لم يندَ لهما جبين بعد تفجّر الفضيحة، بل فسّرا انتهازيّتهما بكونها براغماتية، يحاولان من خلالها أن يكونا دائما مع الجواد الرابح، وأنهما لا يختلفان على أية حال عن رجال السياسة، الذين يتبنّون الشيء ونقيضه.

يقول جول رونار: “لو استطاعت دوارة الهواء أن تتكلم، لقالت إنها هي التي توجه الريح”.

كاتب تونسي

15