المثقف الذي لم يغرد داخل أقفاص السلطة

الخميس 2013/12/26

في هذا الأسبوع فقدت الجزائر الأديب والمؤرخ الجزائري المعروف الدكتور أبو القاسم سعد الله عن عمر يناهز 83 تاركا وراءه السمعة الأكاديمية والشعبية الطيبة، و للأجيال الجديدة عشرات المؤلفات في مجالات الدراسة التاريخية، والنقد الأدبي، والترجمة، والشعر. والحال فإن رحيل الدكتور أبو القاسم سعد الله عن دنيانا يمثل خسارة فادحة للحياة الثقافية والفكرية الجزائرية لعدة أسباب وفي مقدمتها أن هذا الرجل لم يستكمل بعد مشاريعه التي أعلن عنها في البحث والتأليف التاريخي، وفضلا عن ذلك فإن الدكتور سعد الله كان قد قدم لعشرات السنوات نموذجا رائعا ونادرا وثابتا للمثقف والباحث المنغمس في عالم الفكر والإبداع بعيدا عن مغريات السلطة التي نأى بنفسه عنها طوال حياته رغم العروض الكثيرة التي قدمت له منها عرض تولي منصب وزير بكل من وزارة الثقافة ووزارة التربية والتعليم في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

فالدكتور أبو القاسم سعد الله تخرج بشهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة منيسوتا الأميركية ويتقن ست لغات أجنبية إلى جانب اللغة العربية الأمَ. في جامعة مينيسوتا تقلد الدكتور سعد الله، بعد نيله للدكتوراه باللغة الانكليزية، منصب أستاذ التاريخ لفترة من الزمن وبعدئذ عاد إلى جامعة الجزائر ليصبح فيها أستاذا في مجال تخصصه دائما وفي هذه المرحلة تخرج على يديه عشرات الطلاب من حملة الدكتوراه والماجستير. وفي العشرية الدموية السوداء التي عصفت بالجزائر منح الملك حسين، عاهل المملكة الأردنية، للدكتور سعد الله منصب العمادة الشرفية بجامعة الأردن وأسكنه قصرا فاخرا وعمل هناك سبع سنوات في التدريس وتأطير أطروحات طلاب الدراسات العليا. في مجال البحث التاريخي أنجز الدكتور سعد الله عدة مؤلفات من أهمها كتاب " الحركة الوطنية الجزائرية"، وكتاب " التاريخ الثقافي الجزائري" وهو في عدة مجلدات علما أن هذا الكتاب الأخير والضخم لا يزال موضع نقاش خلافي جراء اعتباره لفترة الحكم التركي للجزائر احتلالا خلافا للروايات الرسمية، وجراء إبعاد الدكتور سعد الله فيه للبعد الثقافي الأمازيغي عبر التاريخ، وتمسكه بهذا الموقف طوال حياته وهو موقف غير منصف لهذا الجزء من الأركان الأولية للهوية الجزائرية. وفي مجال إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية فقد انتقد الدكتور سعد الله بوضوح وشجاعة محاولات النظام الجزائري منذ الاستقلال إلى يومنا هذا الاقتصار على الرواية الرسمية لتاريخ تلك الحركة الوطنية وإدارة الظهر للكتابة الشعبية، وللكتابة العلمية النزيهة بعيدا عن الحساسيات الشخصية. أما عن دور الدكتور سعد الله في حقل الدراسة الأدبية وفي الشعر فإنه يعتبر من بين أوائل الشعراء العرب الذين كتبوا قصيدة التفعيلة بعد جيل الشعراء الرواد في المشرق العربي. وبهذا الخصوص كتب الدكتور سعد الله هذه الشهادة التاريخية المهمة: " إن الشعر الحر الذي عم الوطن العربي كله، قد وجد صعوبات كثيرة حالت دون دخوله إلى الجزائر مبكرا، وتتمثل أبرزها فيما كنت أتابع الشعر الجزائري منذ سنة 1947 باحثا فيه عن نفحات جديدة، وتشكيلات تواكب العصر الحديث، ولكني لم أجد سوى صنم يركع أمامه كل الشعراء بنغم واحد وصلاة واحدة، ومع ذلك فقد بدأت أول مرة أنظم الشعر بالطريقة التقليدية، أي كنت أعيد ذات الصنم وأصلي في نفس المحراب، ولكني كنت شغوفا بالموسيقى الداخلية في القصيدة واستخدام الصورة في البناء، وقد نشدت أول شعر في الهجر واليأس بعد صدمة قلبية، غير أن اتصالي بالإنتاج العربي القادم من الشرق ولاسيما لبنان واطلاعي على المذاهب الأدبية، والمدارس الفكرية حملني على تغيير اتجاهي ومحاولة التخلص من الطريقة التقليدية في الشعر، وتمشيا مع هذا الخط نشرت بعض القصائد التي كانت رتيبة التفاعيل ولكنها حرة القوافي، ثم لم ألبث أن تحررت من التفاعيل أيضا، وقد نشرت أول قصيدة متحررة سنة 1955، بعنوان " طريقي " وجاء فيها:

يا رفيقي

لا تلمني عن مروقي

فقد أخذت طريقي

وطريقي كالحياة

شائك الأهداف مجهول السمات.

لا شك أن مجموعة " ثائر وحب " ومجموعة " النصر للجزائر " الشعريتان تشهدان على وعي الدكتور سعد الله بالمستلزمات الموسيقية للقصيدة التفعيلية ولكنه توقف عن مواصلة كتابة الشعر مما حال دون تعميقه وتطويره لمساره الإبداعي، ولكنه التوقف عن كتابة الشعر لم يضع سدى بل فإنه قد عوضه بالتفرغ كلية للبحث التاريخي الذي أنجز فيه أعمالا مهمة.


* شاعر وكاتب من الجزائر

14