المثقف الرمادي

الاثنين 2015/01/26

هل يمكن أن يجمع امرؤ ما بين صفات الذئب والثعلب في الوقت نفسه؟ هل من باب الظلم والإجحاف توصيف بعض المثقّفين بالذئب الرماديّ، أو بالثعلب المتلوّن؟ مَن هو المثقّف الرماديّ المتلّوّن؟

المثقّف الرماديّ هو ذئب حين ينقضّ على الامتيازات، يكشّر عن أنيابه حين يقترب أحد منه بالنقد على موقفه المخادع المتواري خلف حجج بليدة، من قبيل تمثيله كمثقّف لجميع شرائح الشعب، وعدم اصطفافه مع طرف ضدّ آخر، في محاولة لمسك العصا من المنتصف.

وهو ثعلب حين يراوغ للتنصّل من المسؤوليّة والمحاسبة، يجهد للتلوّن وفق الأجواء التي يجد نفسه فيها، أو يراها قابلة لخدمته وفائدته، فيلفّ ويدور باحثا عن الفتات، مقدّما نفسه على أنّه حرّ في الوقت الذي يكون خلاله مقيّدا بمكتسبات انتهازيّة صغيرة، ويكون السلوك الثعلبيّ مكشوفا لغيره، ولا سيّما أنّ الكلمة مسؤوليّة عظمى حين يدرك المستخدم لها أهمّيتها ودورها.

الذرائع المساقة من المثقّف الرماديّ تفقد معانيها، وتجعل من صاحبها مثيرا للسخرية، حين يعتقد أنّه يخدع الآخرين برماديّته المكشوفة، فينتقل على حبال الانتهازية بين المعسكرات المختلفة، محاولا كسب ودّ الجميع، في الوقت الذي يكون موضع شكّ وتشكيك ممّن يبتسمون له، ويجعلون منه مطية فيما هو يظنّ أنّه يجعلهم سلّما يتسلّق من خلاله إلى ارتزاقه.

بين الذئب والثعلب يلوذ المثقّف الرماديّ بسلوكيّات حرباويّة عند الحاجة، فتراه يجمع صفات تبتعد به عن رسالة الأدب الإنسانيّة، تلك التي يلوّثها بمراوغته وانتهازيّته وتسلّقه، بحيث أنّ تلك الممارسات قد تتسبّب في تسميم عقول بعض المتأثّرين به، ممّن قد يعتبرونه قدوة في إيثار السلامة.

بإسقاط حالة المثقّف الرماديّ على الواقع، يصادف المتابع كثيرا من الرماديين الذين لاذوا بالصمت مؤقّتا إلى حين انجلاء سحابة الثورات برأيهم، ليخرجوا بعدها إلى العلن، مقدّمين أنفسهم للمعسكر الرابح بأنّهم حلفاء في النصر، وأنّهم كانوا يؤيّدون ممارساتهم، ولم يرضخوا لتهديدات وإغراءات الطرف الآخر.

بعد أربع سنوات من اندلاع شرارة الثورات العربية، والتغيّرات التي حملتها معها، والمآسي التي رافقتها وتنامت على هامشها، لا يزال المثقّف الرماديّ منزويا في بقعته الرماديّة في انتظار انجلاء الخيط الأبيض من الأسود. وإلى حين ذاك الوقت يظلّ ذئبا وثعلبا وحرباء معا، ولا غرابة أن يخرج بعد حين، فيكتشف أنّه قضى في كهفه وقتا طويلا.

تلفّت حولك هنا وهناك، ستصادف كثيرا من المتلوّنين والرماديين يترقّبون لحظة الانقضاض على الامتيازات، وزعم المشاركة في صناعة الانتصارات. اللون الرماديّ لعنة في الثقافة والفكر والأدب والثورة والحياة.

كاتب من سوريا

15