المثقف الطائفي فاشيا

الاثنين 2016/05/30

ثمة من يعتقد بأن المثقف نتاج المجتمع أو مرآته التي تنعكس عليها صورته، وما يصيب الأول يصيب الثاني. وهو تسويغ يجعل من المثقف تابعا بلا رؤية ولا موقف ولا إرادة ولا دور له في التغيير وصناعة التاريخ. وهنا أعني المثقف المنتج تحديدا، وإذا كان المجتمع منقسما طائفيا أو عشائريا أو مناطقيا، فإن المثقفين، وفق هذا الاعتقاد، يكونون كذلك بالضرورة، متخلّين عن التزامهم الأخلاقي والوطني والإنساني والمبادئ الفكرية التي يؤمنون بها، ناذرين أنفسهم وضمائرهم لتشوهات المجتمع وأعطابه وسمومه.

إن الانجرار وراء الطائفية، وهي شكل من أشكال العنصرية بالتأكيد، أو التمسك بحبالها، بدلا من الدعوة إلى تجريمها، من أشد السموم التي يحقن بها بعض المثقفين العرب اليوم أوردتهم، فيصبحون، مثل مَن يحقن نفسه بالهيرويين، مغيّبي الوعي، منعدمي الرؤية، فاقدين صلاحية التعايش مع الآخرين بعقلانية ووئام. وما ينتج عن ذلك تغليب هذه الهوية الضيقة على الهوية الكبيرة الجامعة، الهوية القومية والوطنية، بمعناها الإنساني، فترى الذين يتخذونها معيارا ومنهجا في مواقفهم لا يتورعون عن الانحياز إلى من يكيدون لهويتهم الكبيرة ويطعنون فيها لمجرد أن ما يجمعهم بهم هو الولاء المذهبي. ومما يثير الاستغراب والسخرية في آن واحد أن رهطا من هؤلاء الطائفيين لا يؤمنون بالدين، عقيدة

وهوية، أصلا، بل إن بعضهم يساريون أمميون وملحدون، الأمر الذي يدل على أن نزعتهم الطائفية هي فايروس سياسي بامتياز، يوجهها وجدان ظلامي خرب، غافلين عن أنهم يتحالفون مع الشيطان مثل فاوست.

ماذا يتبقى للمثقف العراقي، مثلا، حينما يجاري السياسي المتخندق وراء ستار طائفي للحصول على مكاسب شخصية؟ ألا يشعر بالعار إذا ما صار بوقاً لهذا الوزير أو لذاك الزعيم الحزبي، في زحمة التنافس السياسي غير النزيه على الكراسي والنفوذ وسرقة المال العام وتهديم الدولة؟ أليس المثقف ضمير شعبه، وحارس أحلامه وتطلعاته، وماسك جمرة آلامه وعذاباته؟ أليس دور المثقف أن يحمل الوطن كله في وجدانه، ويحافظ، بإنتاجه الفكري والأدبي والفني، على وحدته ونسيجه مما يهدده من تحالفات مشبوهة ومشاريع ونزعات تقسيمية وفئوية؟

نقرأ يوميا، في شتى وسائل الإعلام والنشر الورقية والإلكترونية، كتابات وتغريدات تطفح بالحس الطائفي، أو تستبطنه تحت سطورها، في سياق مقاربتها لشتى القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، تكشف عن الوجه الحقيقي لأصحابها المثقفين ذوي القلوب السوداء (من أدباء وفنانين وكتّاب وإعلاميين) الذين يدّعون الوطنية.

ويبدو أن أوقات المحن والأزمات هي أكثر الأوقات التي ينبري فيها هؤلاء المأزومين للكشف عن معدنهم الرديء. أقول هذا وأنا أقرأ لبعضهم ما يكتبونه عن الفلوجة الآن، مصورين هذه المدينة المنكوبة، من جراء احتلال تنظيم داعش الإرهابي لها، بأنها بلاء وشر مطلق ومنبع للإرهاب يستحق أهلها الإبادة، مرددين كالببغاء الخطاب الطائفي الفاشي المملوء بالكراهية والحقد الذي أطلقه زعيم إحدى الميليشيات ضدهم بذريعة حماية العراق منهم! في حين أنه يتحالف مع إيران، التي تعمل على تمزيق العراق وتدميره انتقاما لهزيمتها في حرب الخليج الأولى.

وفي هذا السياق أيضا نجد بعض المثقفين في العراق يدافعون علنا عن جرائم نظام الأسد في سوريا بدوافع طائفية، واضعين كلّ من يعارضهم ويناضل من أجل دولة سورية حرة ديمقراطية في سلة واحدة هي سلة الإرهابيين والتكفيريين، بينما يعتبرون وقوف إيران وحزب الله إلى جانب هذا النظام السفاح أمرا مشروعا.

كاتب من العراق

14