المثقف العربيّ بين جزرة السلطة وعصاها

الأحد 2015/02/22

لطالما كان المثقف العربيّ على مسافة أخوية من السلطة، أحيانا على التماس، وأحيانا أخرى في حضن الساسة كالألعوبة الفكرية. يتوخى المواربة على حساب دوره الثقافيّ وواجبه. لا يعمل سياسيا بالتعريف الدقيق للكلمة، وإنما يوائم مواقفه العامة، يتحلق تحلقا مشينا حول دوائر السياسة، دوائر ما هي إلا أداة من أدوات سلطوية ما بعد الاستعمار الغربيّ، أو بالأحرى أداة استعمار عربيّ يتلفع بلفاع الوطنية الزائفة.

ولا شك أننا نعي جميعا هذه العلاقة التي أقل ما يمكن وصفها بأنها “تكافلية” بين الأنظمة العربية والمثقف، كلّ منهما يؤدّي دوره، وفي مقابل ثمن. نعي على الجانب الآخر، ونتيجة لهذا التقارب، تقلص مهام المثقف على الصعيد الفكريّ حين يتفرغ إلى الترويج لشعارات الأنظمة، وإعلاء القيم الأيديولوجية والأولويات الطبقية.

إن مسؤولية المثقف لا تقف عند تلقين معلومة نخبوية ما للعموم. فالمثقف في موقف يتيح له تعرية أكاذيب الحكومات علاوة على فضح أوهام المجتمع ذاته. صحيح أن المثقف العربيّ لا يتمتع دوما بما يتمتع به نظيره الغربيّ، من فضاء سياسيّ حرّ وسهولة نقل المعلومات، ولكنه من المهمّ أن نؤكد على أن المثقف سلطة بذاته وبمفرده. وعلى منعطف التغييرات السياسية، حتى لو كان المنعطف يتضمن حربا ما تشنها الأنظمة على عدوّ، حقيقيّ أو متخيّل، كالحرب على الإرهاب، ينبغي أن يتمسك المثقف باستقلاليته التامة ويدحض المنطق الذي تحتمي به الأنظمة العربية مستخدمة تعبيرات أشبه “بمصلحة الأمن القوميّ” ولا يجبن أو يتراجع أمام الترهيب والاتهام بالعمالة.

وبحكم ما ينعم به المثقف المعاصر من امتياز فكريّ، نتوقع منه أن يسعى دوما إلى الحقيقة المستترة خلف بروباغاندا السلطة وستار التشويه المتعمد للوقائع ليتجاوز واجبه دور المواطن العاديّ، الذي هبّ مرات ليطيح بأعتى الأنظمة العربية تسلطا وبطشا، ولا عجب، فقد برهن المواطنون على أنهم أشدّ ثورية من المثقف المتشدق بمبادئ العدالة والحرية.

ولا يسعنا إلّا أن نسأل أنفسنا هنا عن مدى مسؤولية المثقف العربيّ بتحامله على المواطن لمصلحة السلطة، وتشويهه للحقيقة تذللا للأنظمة إن كان يتحمّل -ولو معنويا- مسؤولية من سقط من القتلى والجرحى على أرض الربيع العربيّ وما تلته من حوادث.

وفي النهاية، للمثقف منبر يصدح من خلاله، والمنبر هو صحيفة أو مجلة، ونحن نتمنى أن تشكل الانطلاقة الجديدة لمجلة “الجديد” الشابة منبرا لأصوات حرّة، تتفق أو تختلف مع قرارات الأنظمة العربية كيفما يحلو لها، ولكنها دائما وأبدا لا تستجيب لجزرة أو تخشى عصا.


كاتبة من مصر مقيمة في ليدز

11