المثقف العربي الحائر بين أصفاد السلطة وإرادة التحرر

الجمعة 2014/03/28
المثقف والسلطة في صراع أزلي لا تحكمه ثوابت

القاهرة - يبدو أن الحديث عن السلطة والمثقف مازال قائما، إذ ثمة سلطة قمعية مازالت تلعب دورها الاستبدادي في مطاردة المثقفين وحجب حرية الرأي والتعبير. وبعد اندلاع ثورتين في مصر، كان لا بدّ من حصول تغيير وأن تتفهم السلطة سواء كانت دينية أو حكومية أن السبب الرئيسي في قيام الثورات، هو ذلك القمع الذي كانت تمارسه السلطات تجاه حرية الرأي والتعبير وتجاه المثقفين وأصحاب الرأي. في هذا التحقيق نحاول رصد ما يجري الآن في المشهد الثقافي المصري وكيف يتفاعل المبدعون أمام ما تقوم به السلطة من قمع واستبداد ولجم للأفواه.

اليوم في مصر ثمة أكثر من أنموذج ظاهر جدا، بدأ بالحكم على الروائي كرم صابر بالسجن وكذلك الشاعر عمر حاذق. وانتهى بمنع الفنان محمد محسن من الغناء في عيد الفن. هذا إلى جانب الآلاف من شباب الثورة الذين زجّ بهم في السجون والمعتقلات.


العسكر والسلطة الدينية

في هذا السياق، تؤكد الروائية والناشطة بسمة عبدالعزيز على أن السلطة تعوّل على التأييد الواسع الذي اكتسبته المؤسسة العسكرية، ليس فقط من القاعدة الشعبية لكن من بعض الذين ينضوون تحت عنوان “المثقفين” أيضا.

أما عن دور الرافضين لإعادة إنتاج نظام مستبدّ وقمعي فهو الصمود والثبات على الموقف، ومحاولة اكتساب مساحات أكبر بين الناس، مع التخلي عن المصالح الشخصية المباشرة، والعمل على بناء تكتل حقيقي رافض لأساليب القمع كلــــها وضدّ أي إنسان بعيـدا عن التصنيفـــات الفكريــــة والسياسية.

من جهته يرى الناقد والشاعر محمد دياب، أنه على السلطة الدينية أن تولّي ظهرها الثقافي للوراء قليلا؛ لتستند على حائط العلماء الربانيين الذين ملؤوا الفضاء العربي تراثا سيظل صامدا إلى يوم القيامة، حيث أثروا الوجود العالمي بأقلامهم الراسخة. في اللحظة نفسها عليها أن تستوعب ثقافة عصرها حتى لا تقتل المبدعين بما يحملون من آراء قد تكون صادمة، في هذا العصر المخيف، عليها أن تستحمّ في دواة المبدعين، وتحلق في عالمهم، حتى تستفيد من أزهار أيديهم التي تفوح حبرا، عليها أن تلوّن عباءتها الدينية بروح الأدب المقمر الذي تفتقده، وتنظر إليـــه نظرة دونيــــة وبأحادية الرؤيـــــة والفــــهم والإدراك والاستنتاج.

محمد دياب: على السلطة الدينية أن تولّي ظهرها الثقافي للوراء

كما يجب على السلطة ألا تحرق ريش عصافير الكتّاب، وألاّ تقطع أشجار محابرهم الخضراء، لا تطرد من رحمة الله أسراب الأدباء الذين يسكنون فضاءهم الخاص، في عالمهم الذي يخلقونه وحدهم، لا تهدم أحلام المفكرين، ولا خيال المثقفين الذين يصنعون منازلهم من أوراق الكتب، وموسيقى المطابع؛ لتلائم التراب البشري الذي يتطاير في الأفق من كل ما يحدث.

ونذكر مثالا على ذلك تكفير القاص كرم صابر والحكم عليه بالسجن خمس سنوات نتيجة انغلاق الفكر الديني في ظل خراب عام يعلو جبهة الوطن الكئيب.


السلطة الأمنية

في ظل هذه الأجواء السياسية المتطاحنة، مع التردّي الأعمى المتخاذل، في عاصفة التشاحن الكريه، تنعدم الرؤية الأمنية، تصبح السلطة الأمنية كمن يمشي على نار، كمن يقوم على نار.

هكذا يشتعل الحطب الأمني تحت أجساد المثقفين الشرفاء، وبعض الشعراء الصامدين صدا، والكتّاب الذين يقاومون شبح الموت اليومي، تشوى جلودهم الإبداعية، تتطاير أدخنة الوضع؛ لتشوّه الوجوه، تصيب أنف المجتمع بعدم حرية التنفس، لا نستطيع معها القراءة الثاقبة، تلوّث ثيابنا البيض؛ فلا نستطيع الخروج لعرس الكتابة، نغدو على فحم جاهز، بمجرد النفخ العشوائي، أو المقنن، أو التعرّض للهواء، مع عود ثقاب يرميه عابر، يصبح المجتمع في غرف الجحيم، يدخلها الجميع راضيا، أو غير راض.

من هنا على السلطة الأمنية أن تقرأ كثيرا عن المبدعين، تلمّ بإبداعهم، عليها أن تحتضن تراث الأرض حتى تفرز معاملة أمنية تليق بهم، تليق بنا، تليق بحضارتنا التي غابت، أظن أنها ستطول إن ظل هذا المنهج الأمني متبعا، سنسير حتما إلى الوراء ومثال ذلك: سجن بعض الشعراء في العالم العربي من حين إلى حين لمجرد أنهم أعلنوا آراءهم مثل: الشاعر عمر حاذق.

سهير المصادفة: المثقف حرف سمائي يضيء للناس مسارهم


دور المثقف

لأنه وحده هو المسؤول عن تغيير المجتمع، بل المسؤول عن تغيير الأرض، ورجّ العالم؛ لا بدّ للمثقف ألاّ يخضع لأية سلطة كانت، حتى يصحو من غيبوبته المرضية.

في هذا السياق تقول الباحثة سهير المصادفة: “على المثقف أن يمضي في طريقه؛ لأنه حرف سماوي يضيء للناس مسارهم في أحلك الأزمان، والمعارك أحلامهم، هو المعول الهادم لجدران العقل المغلق، هو الشمس التي تنير ليلا ونهارا، لا يغيب لحظة كما تغيب الشمس".

وتضيف المصادفة قولها: "المثقف هو الوحيد الذي يموت جسدا، تبقى آثاره شعلة للكون، على المثقف ألا يتعجل بالرد إلا بعد أن يتشرب الوضع المتفتت، يشرحه على مائدته العقلية؛ لأن السلطة الأمنية لا تستمع لأحد، لا تسمع إلا صوتها، لا تطرب إلا لنبرتها التسلطية، لا تعزف إلا لحنها القمعي، لا ترغب من أحد أن يلحن لها حلولها الأمنية بحكم تخصصها العصبي، حتى وإن كان الملحنون هم مجموعة من المثقفين الذين يمثلون حجم الوطن في الرؤية، والفكر، والإبداع، لقد هالني منع الفنان “محمد محسن” من الغناء، لماذا؟ إنها السلطة الفنية التي تؤمر من فوق فتستجيب، يصبح صوت الأرض حزينا، ويملأ الكون صوت نعيب الغربان".

وتتابع قولها: “لا فرق بين السلطة السياسية المستبدة، ولا بين السلطة الأمنية المستبدة، ولا بين السلطة الدينية المستبدة، ولا بين السلطة الثقافية المستبدة، ولا بين أي سلطة مستبدة مهما كانت، وأين كانت؟ كلها تصب في فضاء وأد الحرية، وفي تشريع أحكام الغاب في شكل عصري حداثي، في النهاية أرى أن الكبت القمعي يولد الثورات المفاجئة، أو العلنية الصادمة”.

ويتساءل الناقد والشاعر أحمد سراج ماذا يفعل المثقف الآن؟ سلطة دينية لا تطور آلياتها فاعتمادها على ابن تيمية والمذاهب الأربعة مشكور. يقول: “أما جدّ جديد ليأتي فقه يواكب؟ وماذا جنينا من حربنا على كل مستجدّ؟ رفضنا الطباعة والصناعة ونقل الأعضاء، حاربنا الأنترنت والفضائيات، ثم ها هم علماؤنا يحرّمون على الناس الفيسبوك وتويتر والفضائيات.

ثم ماذا يفعل المبدع؟ سلطة أمنية خائرة جائرة مرتبكة تريد أن تحفظ الأمر آمنا كما تظن؛ فتسجن على الظنة، وتعتقل على الوشاية، وماذا جنينا؟ هروب علماء وقتل مفكرين وحرق كتب وتأخر بلا حدّ.

ماذا نفعل غير أن نظل قابضين على جمر كتابتنا؛ فالمؤسسات الثقافية يتحكم فيها راقصون ومخبرون وعاجزون وخونة.. سنظل نكتب ونكتب ونكتب”.

15