المثقف العربي سوف يدخل في مجابهة لم نعهدها من قبل

الجمعة 2018/01/26
علاقة تتفاوت بتبدل الظروف السياسية والتغير في شكل الدولة

القاهرة - يتناول كتاب الباحث خالد زيادة ”الكاتب والسلطان” التساؤلات التي طرحت مجددا حول دور المثقف العربي في الحياة العامة والحياة السياسية في المجتمعات العربية، وذلك في ضوء التطورات التي شهدها عدد من الدول العربية منذ بداية عام 2011، وهي التطورات التي تمثلت في ثورات عربية في أكثر من بلد عربي عرفت باسم الربيع العربي.

وعلى الرغم من العنوان العام للكتاب الذي استخدمه المؤلف “الكاتب والسلطان”، فإنه يقصر كتابه حول “الكاتب – الفقيه” أو “الكاتب – عالم الدين”، حيث يتناول الكتاب علاقة ما يسميه المؤلف بـ”أجهزة الفقهاء” وكتاب الديوان مع السلطة، ويؤكد المؤلف خلال صفحات كتابه أن هذه العلاقة تتفاوت بتبدل الظروف السياسية والتغير في شكل الدولة في المنطقة العربية على مدار التاريخ الحديث، لكن في كل الأحوال ظلت هذه العلاقة قائمة وراسخة.

ويشير الكتاب إلى أن المرحلة التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر الميلادي قد شهدت تراجع دور رجال الدين أو من كانوا يسمون في ذلك الوقت بـ”كتاب الديوان” خلال هذه الفترة الزمنية المفصلية في تاريخ هذه المنطقة من العالم، وهي الفترة التي شهدت محاولات لتحديث بنية المجتمع والدولة في المنطقة العربية، حيث شهدت تراجع دور المؤسسة الدينية وتفكك وظيفة كاتب الديوان، وهي وظيفة كان يشغلها غالبا أحد رجال الدين، في مواجهة دور جديد لشخصية ظهرت خلال هذه الفترة من التحديث، وهي شخصية المثقف المتنور النهضوي، الذي ورث مهنة الكاتب في ديوان السلطان أو الحاكم أو الوالي، وانتزع تدريجيا مهام وأجزاء من وظيفة الفقيه أو رجل الدين التقليدي، وخاصة في ما يتعلق بوظائف القضاء والتعليم.

ويرى زيادة أن تطور الظروف والأحداث دفع بالسلطة في العالم العربي لأن تدفع بالمثقف في دائرة صناعة السلطة سواء بزعم المساهمة بتحديث المجتمع، أو لإضفاء شرعية على السياسات التي تفرضها السلطة على المجتمع التقليدي الذي كان من المتوقع أن يقاوم هذه السياسات التي كانت غريبة عليه في وقتها، خاصة في ما يتعلق ببلورة مفهوم الدولة والوطن. لكن على صعيد آخر فإن زيادة يشير إلى أن هذا الدور الذي كان منوطا بـ”الكاتب” تغير في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد ثورات الربيع العربي، حيث يذهب المؤلف إلى أن العالم العربي بعد هذه الثورات سوف يحتاج سنوات طويلة لاستكمال التحولات التي بدأت فيه، بل إن المؤلف توقع أن الكاتب أو المثقف سوف يدخل في مجابهة لم نعهدها من قبل مع “السلطان”.

لكن المفارقة التي يبرزها المؤلف هي أن وظيفة “الكاتب” في ديوان الخليفة أو السلطان أو الأمير في المجتمعات العربية، ظلت لفترة طويلة حكرا على أفراد من غير العرب، واحتفظ غير العرب بمكانتهم في ديوان السلطان على مدار أجيال طويلة، كما يكشف عن مفارقة أخرى، وهي أن كتاب الديوان في كل عصور خلفاء الأمويين ومن بعدهم العباسيين حرصوا على أن تكون كتابتهم، أو ما عرف بالإنشاء بلغة تختلف عن لغة الخطاب الديني، بل غلبت على لغتهم كتابة فنية لها لغتها التي تتميز عن اللغة الدينية الصرفة.

ويعرض المؤلف إلى قواعد كانت تحكم اختيار وعمل العاملين بوظيفة الكاتب في ديوان السلطان، حيث كان يطلق على هذه المهنة اسم “صناعة الإنشاء”، حيث تصف المصادر التاريخية حول هذا الخصوص من يعملون في وظيفة الكاتب بديوان السلطان بأن بهم ”ينتظم الملك وتستقيم للملوك أمورهم، وبتدبيرهم وسياستهم يصلح الله السلطان ويجتمع فيئهم وتعمر بلادهم، ولا يستغني عنهم أحد“.

كما تذكر المصادر التاريخية العلوم الأساسية التي من الضروري على الكاتب الذي يعمل في “صناعة الإنشاء” أن يكون ملما بها، فهي التي تظهر في مجموعة من النصائح التي يقدمها أحد كبار الكتاب لغيره من العاملين في هذه المهنة، وهذه النصائح كما وردت في المصادر التاريخية تشمل “تفقهوا في الدين، وابدأو بعلم كتاب الله عز وجل، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها، ولا تضيعوا النظر في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج”.

ومن أهم ما لفت إليه خالد زيادة هو حدوث ما يمكن تسميته بالانفصال الديوانية المختلفة مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتشعب عملها والفروع التابعة لها، وهو ما أدى فعليا إلى أن يحدث انقسام بين الأجهزة الشرعية الممثلة بعلماء الدين وفقهاء الشريعة والمحدثين من ناحية، وبين الأجهزة الديوانية التي كانت تمثل مركز الثقل في الحكم ونفوذ الدولة من ناحية أخرى.

هذا الانقسام نتج عنه لاحقا نشوء نظامين معرفيين يتصارع كل منهما مع الآخر، خاصة مع الصعود الواضح في فترة الدولة العباسية لما اصطلح على تسميته بحقل الدراسات العربية والأدبية، وهو الحقل الذي شهد حراكا شديدا مع تفضيل من يعملون في دواوين السلطة الكتابة باللغة الفارسية بدلا من اللغة العربية، وهو ما أدى إلى أن يندفع طلاب علم الفقه والحديث وباقي فروع العلوم الشرعية لتعلم المزيد من العلوم اللغوية كرد فعل على ما اعتبروه تحيزا للغة والثقافة الفارسية على حساب اللغة والثقافة العربية بشكل عام.

جدير بالاشارة إلى أن كتاب “الكاتب والسلطان” لمؤلفه خالد زيادة، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

15