المثقف العربي في زمن الطوفان.. نبيّ بلا معجزة

الجمعة 2013/11/29
رسم تخطيطي لساي سرحان

"ما من مفهوم إشكالي إلا وله تاريخ"، هكذا حدّث الفيلسوف نيتشه، وفي حديثه ما يُنبئ بأنّ المفاهيم لا تنبت بالفجاءة وبمحض الخاطر والترف التخييليّ، وإنّما هي تظهر تتويجا لمخاضات ثقافية واجتماعية وسياسية متتالية هي منها أسبابُها وحاضنتها الفكرية. ولا نخال الحداثة، بجميع تفريعاتها النظرية، إلاّ مفهوما إشكاليا بعبارة نيتشه، ولئن وجد هذا المفهوم رواجا في سوق الكتابة، فإنه ظلّ مع ذلك مولِّدا لأسئلة تتضخّم بتضخّم أزماتنا العربية وما اتّصل بها من اختلاف في وجهات نظر المثقّفين حيال توصيفها وتحديد أدوار كلّ الفاعلين فيها من نخبة وساسة وعموم المواطنين.

لعلّنا نجد في مرارة أحداث الثورة السورية ومواقف "آباء" الحداثة العربية منها، السبب الذي حفز الشاعر نوري الجرّاح ليعيد إخضاع مقولة الحداثة إلى مساءلات جديدة في مقالته "الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي" التي نشرتها صحيفة العرب بتاريخ 7 نوفمبر 2013.

حيث نلفيه يؤكّد فيها أن العقلية البطريركية لم تكتف بالاستشراء في الفضاء السياسيّ العربيّ فقط صانعة من حكّامه آباءً مقدَّسين تستهدي بهم شعوبُهم وتذود عن كراسيهم ويُحرّم عليها معارضتهم، وإنما هي راحت تغزو الفضاء الثقافي أيضا، مفرّخة فيه "شعراء حداثيين" مكّنتهم ظروف تاريخية معلومة من احتياز صفة "الأبوّة الشعرية" الراعية لأفكار الناس رعايةً يرومون منها تحشيد هؤلاء لحماية رمزية الحاكم واستدامة اشتغالها في متخيّلاتهم ما به تُمكّن سلطتُه من شرعية القهر والاستبداد، ويمكّن الواحدُ من هؤلاء الشعراء من أن "يكون (نصه) هو النموذج المحتذى، والصورة المثلى والطوطم لقبيلة الشعراء. فهو المقسّم جسمه في جسوم كثيرة، ولا يشبهه في حاله إلا حال معبود الجماهير". وهي صورة يقول عنها الجرّاح إنها "تتناقض تماما مع فكرة الحداثة، باعتبارها فكرة مدنية تستبعد الصياغة الواحدة لصالح الصياغات المتعددة، والنموذج الواحد لصالح النماذج المختلفة، والصوت الواحد لصالح الأصوات".


انتهاك الطوطم


ولم تَخْل المقالة من إثارة أسئلة أخرى متّصلة بحال المثقّف وهو يعيش وضعا عربيا طارئا صورتُه ثورات عارمة قادتها شعوب أطاحت، أو هي تُطيح الآن، بآباء "الحداثة العربية" من السياسيّين والشعراء والمثقّفين عموما، ونشدانُها أن تبتني لذاتها الحضارية رمزيات جديدة تكون فيها سيّدةَ اختياراتها السياسية والجمالية، وتمثّل بالنسبة إليها جسرا تعبر منه إلى غدها بجميع أحلامه بعيدا عن إكراهات هؤلاء الآباء ووصاياهم، لاسيما في راهن عربيّ تهاوى فيه الطغاة وأتباعهم حتى صحّ القول إنه "كما يخسر الديكتاتور في كل يوم مواطنا كان يعلّق صوره في بيته، في كل يوم يخسر هذا الشاعر قارئاً، ويخسر موقعاً جديداً له. وكما يولد في كل يوم متظاهر جديد ومعه شعار جديد، في كل يوم تولد أصوات جديدة، وأسئلة جديدة تقتسم المشهد الشعري".

وقد انصبّ جهد مقالة الجرّاح على مساءلة ارتهان طوطمية الشعري بطوطمية السياسيّ في تصوّر الحداثة العربية، لتخلص من ذلك إلى القول باتصاف كلّ من الحاكم والشاعر بصفة البطريركية الأمنية والثقافية ذات الهوى الاستحواذي النابذ للاختلاف والقاتل لرغائب الأبناء في تجاوز الموجود من رمزيات السلوك والأفكار والعادات في إطار "حداثة الهامش الناجي بهامشيته المترفعة وقد قُيّض لها أن تسخر من المتن وتهزأ بثقافته الشعبية".

لا نظن أدونيس إلا صادقا في "الثابت والمتحول"، فالمتحوّل في مشروعه الثقافي هو طبيعة الشعارات بما يتناسب والمرحلة المعيشة، أما الثابت فهو الدفاع عن الوضع القائم وإطالة عمره

ولكن المقالة، وهي تنتصر لحداثة الهامش، تقف بها عند تصوّرها الشعريّ دونما سعيٌ إلى البحث في الأشراط الضامنة لعدم تموقع هذا الهامش في صدارة ما سيظهر من متون ثقافية هي نتيجُ ثورات هذا الربيع جريا على عادة تكرار النموذج في اللاوعي العربي، إذْ ما الذي يمنع هامشا من أن يحتلّ صدارة المتن ويفرض منه قداستَه وتعاليمَه على ما سيظهر من هوامش جديدة بعيدا عن كلّ وعيٍ بضرورة الاختلاف والتشابه معًا؟


المثقف السجين


لا شكّ في أنّ النظر في أدبيات الحداثة العربية يوقفنا على مجموعة من الملاحظات المتّصلة بمدى فاعلية المثقّف في وقائع مجتمعه. ولعلّ من أبرز هذه الملاحظات أن مثقّفنا ظلّ حبيس كتابه والكتب الوافدة من الغرب، حيث يُقضّي وقته في ترجمة مفاهيمها والبحث لها عن تنزيلات في معيشه حتى وإن اضطرّه الأمر إلى إكراه مظاهر ذاك المعيش لكي تتناسب وأفهومات منظّري الحداثة الغربيّين. فنلفيه غارقا في التمييز بين النهضة والحداثة وما بعد الحداثة والكولينيالية والتحديث على حدّ ما تفرّغ له جانب من مقالة أزراج عمر الموسومة بـ"هل نحن حداثيون أم ما بعد حداثيين؟" حيث نقرأ فيها قوله: "وأفترض أيضا أن المفاهيم التي أناقشها هنا لا يزال الغموض يكتنفها وغالبا ما تعوزها الدقة والتحديد الضروريان"، وهو يعني بالمفاهيم مفهوميْ الحداثة والتحديث، فكأنّما ذهب في فهم الكاتب أنّ أطنان الكتب المترجمة عن الحداثة لم تبلغ الدقّة في مقاربة مفاهيمها، بل ولم تنجح في فكّ طلاسمها.

وإذا تجاوز مثقّفنا عتبة مفاهيم الحداثة ورغب في تنزيلها منازل واقعيّة، نلفيه يتلمّس خطاه في مسارب أيديولوجيته، فلا تصحّ لديه فكرة إلاّ متى وافقت هوى من أهواء تلك الأيديولوجيا التي يعتمد على تنظيراتها ليقيس أحداث الواقع وينسِّبها ويفسِّرها تفسيرات تخالف أحيانا طبيعة الظاهرات الثقافية والسياسية والاجتماعية وتُلبسُها أثوابا غريبة عنها. بل ربّما عمد المثقّف إلى نفي أّي جهد حداثي في أفعال مجتمعه لم يمتح فيه الناس من معين ما يؤمن به هو من أيديولوجيا سواء أكانت ماركسية أم إسلامية أم ليبرالية. وإذ ينفي مظاهر الحداثة في المجتمع، يعمد إلى دعوة أفراده إلى اتباع سبيل ما اتبع من أفكار مستخدما وسائل الترهيب والترغيب على غرار ما نقرأ اليوم من خطابات الإسلاميين التي تنصبّ جميعها على تبيان أنّ تقدّم الخَلف غير الواعي لن يتمّ إلاّ متى اتبع طريق السّلف الواعي، وهم بذلك يرمون بمعارف أربعة عشر قرنا من تاريخ البشرية في النسيان، وكذلك حال بعض خطابات مَن ينتمون إلى اليسار العربي. وكأنّ هؤلاء المثقّفين ينسون، أو هم يتناسون، أن شعوبنا جرّبت "دولة الاشتراكية" وجرّبت "الدولة الدّينية" وفشلت فيهما معا.


المثقف المتاح


إنّ إيغال مثقّفينا في تنظيرات الحداثة وفي مقاربتها مقاربات خارجية لا يتّصل أغلبها بأسباب أزمتنا الحضارية أدّى إلى إضعاف حضورهم بين الناس، لا بل وإلى تحوّلهم إلى كائنات تبشيرية تدعو إلى خيرٍ "بروتستانتي" بعيد عن الخير الذي ترغب مجتمعاتهم في تحقُّقه. وهو ما نراه قد تعاضد مع أحداث الربيع العربي ليمكّنا معا من ظهور فئة أخرى من المثقّفين يمكن أن تصحّ فيهم صفات "الشعبيّين" أو "مثقّفي الشاشة" أو "المُتاحين في كلّ وقت" أو "الممكن التعويل عليهم لإلباس الحقّ بالباطل" أو "الاستعراضيين" الذين يتفنّنون في وضع مساحيق التجميل وتكتظّ بحضورهم فضائياتنا، حيث يجلسون على رقاب وعيِ الناس بخطابات لا يستطيع الواحد منا معرفة إن كانت "ثورية" و"حداثية" أم "سلفيّة" و"رجعية"، وهي جميعها تدعو إلى جنّة متخيَّلة ولا تزجر عن نار حقيقية تكتوي الشعوب بلظاها الاستبدادي الظالم. وإذ يفعلون ذلك، يكشفون عن كون خطاباتهم تفتقد إلى الحدّ الأدنى من الوعي بمجريات اللحظة العربية في أبعادها المحلية والعالمية، ويحفون في الوقت نفسه أهدافهم في تحشيد الناس واغتصاب وعيهم الجمعيّ.

وعليه، يجوز القول إن مثقّفنا العربيّ الذي كان سجين السلطة السياسية ما قبل الربيع قد تحوّل بمحض إرادته، أو تحت ضغط مصالحه، إلى سجين أيديولوجيا دينية أو ما يناظرها، فلم يغادر موقعه السجنيّ، وظلّ رهين انتماءاته الطبقية والدّينية وغاياته الشخصية، ويدور في أرجائها بكلّ ما يمتلك من نوستالجيا موروثة من زمن العشق العذري. فإذا تكلّم عن واقعه نلفيه كما لو أنّه يتحدّث عن جزيرة لا يعرفها الناس إلا في حكايات الجدّات، متملِّصا في ذلك من دوره الانتهاكي للسائد، والتمزيقي لأثواب المألوف، والتحفيزي لمصارحة الذات والإنصات لهواجسها المُرّة بعيدا عن تلمّظ حلاوات أجهزة السلطة وإغراءاتها.

مثقّفنا ظل حبيس كتابه والكتب الوافدة من الغرب، حيث يقضي وقته في ترجمة مفاهيمها والبحث لها عن تنزيلات في معيشه حتى وإن اضطرّه الأمر إلى إكراه المعيش لكي يتناسب وأفهومات منظّري الحداثة الغربيين

وفي هذا الأمر، لا نظنّ أدونيس إلاّ صادقا في "الثابت والمتحوّل"، فالمتحوّل في مشروعه الثقافي، ومشروع المثقّف العربي عموما، هو نوعية الشعارات بما يتناسب والمرحلة المعيشة، أمّا الثابت عنده فهو الدفاع عن الوضع القائم وإطالة عمره، وهو ما به تردّى مثقّفونا في التكرار والتقليدية والزمانية الخائبة التي عبّر عنها الكاتب مفيد نجم في مقالته "الطوطم السياسي والطوطم الشعري وقتل الأب والابن" بقوله إنّ: "المثقف العربي ما زال سليل إرثه وتاريخه وليست الحداثة سوى ثوب نرتديه ونخلعه متى ما استحقت الحقيقة".

ويبدو أنّ في قول مفيد نجم ما يحفزنا لنسأل: ألا يعدّ المتنبّي والجاحظ وابن رشد والشاطبي، وهم من سكّان الإرث والتاريخ العربييْن، أكثر حداثة من كثرة كثيرة من مثقّفينا الحداثيين؟ ثمّ لماذا اقترنت "حداثة" المثقّف بحجم نقده الرافض للتراث أو بحجم عبادته له؟ هل يمكن تفسير ذلك برغبته في قتل الأب أو في توقه إلى قتل الابن على حدّ ما تساءلت مقالة نوري الجرّاح؟ ربّما، رغم أننا نعرف أن "أب" المثقّف العربي الحديث هو "أب" بدماء أجنبية ممثلا في نتاجات الثقافة الغربية التي نهل منها واعتمدها سبيلا إلى فهم الواقع وأشراطه السياسية والاجتماعية والثقافية.


بلا معجزة


منذ أن كتب نابليون في أول يوليو من العام 1798 رسالته التي يدعو فيها مشايخ مصر وأئمّتها إلى إقناع المصريين "وجلالة السلطان العثماني" بأنه يحبّ الإسلام والمسلمين، وأنه جاءٍ لحماية الشعب من المماليك، طرح المثقّف العربيّ على نفسه مهمّة تحديث مجتمعه والبلوغ به مراقي الوعي والقوّة عبر إخراجه من قمقم التخلّف إلى باحات الفعل الحرّ في الحضارة الإنسانية. وقد لبس لإنجاز ذلك لبوس الأنبياء حتى عُدّ نخبة مجتمعه لا يأتيه الباطل أبدا. غير أنّ تعقّد الحال العربية سياسيا واجتماعيا منذ تلك الفترة إلى الآن، كشف عن ضعف فاعلية مثقّفنا في النهوض الحضاريّ، رغم ما قدّم من مشاريع فكرية وصفت بكونها هامّة وحداثيّة، وألجأ الناس إلى التساؤل من جديد حول طبيعة أدواره وجدواها. ومن ثمة ظهرت صورة للمثقّف جديدة: يظهر فيها نبيًّا، ولكنه نبيّ محتاج إلى معجزة ظلّ يبحث عنها منذ زمن بعيد.

15