المثقف العربي والفعل التاريخي

الأحد 2015/02/15

هزم الفعل التاريخي خطابَ المثقفين العرب في منعطفين خطيرين:

- الأول هو اندلاع شرارة ما سمي بالربيع العربي، وسقوط أنظمة مستبدّة، دون أن يكون لخطابهم دور فيه، فأغلبهم كان منصرفا إلى التيارات الغربية يجترّ مناهجها ونظرياتها، تجنبا لما قد يغضب السلطة. ما جعل الفلسطيني سري نسيبة يتساءل في كتاب له بعنوان “هل يساوي عود كبريت كل فلسفتنا؟” عن مدى إدراك المفكرين العرب للواقع العربي ومشاغله، ويجيب بأن شابا يائسا استطاع أن ينجز ما لم ينجزه مثقفونا، فلاسفة ومنظرين.

- والثاني هو بروز الظاهرة السلفية بوجهيها التكفيري والجهادي، واستشراؤها في جسد الأمة تدمّره تدميرا لا مثيل له عبر تاريخنا غير اجتياح المغول، متلبسة بلبوس الدين، مستندة إلى فكر يرتدّ إلى زمن النبوءة. وإذا كان البعض منا قد فسّر انجذاب الشباب إلى تلك التيارات الداعية إلى فرض الدين بالعنف لكونه ناتجا عن سياسة الاضطهاد والقمع ومصادرة الحريات، وعن قصور المنظومة التربوية في إنشاء أجيال تتوق إلى أفق حضاري مشرق بدل الانشداد إلى ماض خلا بحثا عن ملاذ، فكيف نفسر إيثارهم الكتب الصفراء وفتاوى الجهال على كتب نخبتنا -من عبدالله العروي وهشام جعيط ومحمد الطالبي ويوسف الصديق ومحمد عابد الجابري- التي أفنت عمرها في تنقية التراث لتقديم فكر إسلامي مستنير؟

والسبب كما بات واضحا اليوم أن تركيز المثقف على الفضاء الكوني اللامتناهي وانشغاله بالفكر والتنظير حَكَما على الجانب العملي لاهتماماته بالتدنّي، فصار، بعبارة ميشيل أونفري، أشبه براهب فقدَ إيمانه. فالمثقف المعاصر، عربيا أم غربيا، أصبح منخرطا في مسار حزبي، يتعطش للشهرة والنفوذ، فبات ينتمي إلى أهل الفكر intelligentsia، أولئك الذين وصفهم ريجيس دوبري بأصحاب الأفكار السريعة fast-thinkers المتسابقين إلى الإعلام.

لقد كشف الفعل التاريخي عن تهافت خطاب المثقفين العرب لقلة التصاقهم بالواقع. قد نفهم عدم تنبئهم بموجة الثورات التي أزاحت الطغاة، لأن الانتفاضات لا يمكن التكهن باندلاعها إلا ما ندر، وقد نتفهم عدم إسهامهم فيها، ولكن نظرياتهم المتعالية لم تقدهم إلى تشخيص الأعراض التي كانت تنهش جسد الأمة، بل جعلت آراءهم في عمومها بعيدة عن الواقع، لم ترصد إرهاصات التمرّد، ولا استشعرت أخطار المرحلة. ولا خيار إلا بجعل الفكر والفلسفة والثقافة تتكيّف مع عصر الديمقراطيات، على نحو تكون معه قادرة على بناء فكر يقوم على البحث والتقصّي، للوقوف على مشاغل الناس ومتطلبات الحياة “الآن وهنا”، بدل الاكتفاء بتأسيس نظريات عامة، وتصوّرات فلسفية مجرّدة، لا يغنم منها المواطن أيّ نفع، ولا تفيد المجتمع في النهوض والترقي.



روائي وصحافي من تونس مقيم في باريس
11