المثقف العربي وسؤال فوكو

السبت 2017/04/22

حينما كتب فوكو أطروحته الفلسفية إزاء السلطة، بدا وكأنه يكتب هواجسه عنها، مثلما كان يدفع بأسئلته النقدية إلى العلن والفضح. فالعلاقة ما بين تلك الهواجس والأسئلة لم تكن بريئة، لأنها ستتحول إلى ممارسة في نقد لاذع لهذه السلطة، ودعوة إلى الحفر في خطابها ونظامها العلامي والوجودي، بحثا عن الكثير من الأوهام التي فرضت سلطتها اللاواعية، وربما البحث عن نسقيات مضمرة، تلك التي تقوم السلطة دائما بتهريبها، بما فيها النسق الذي يؤطّر علاقتها بالضحايا، بوصفهم خاضعين لرقابة السلطة ولرعبها.

مفهوم السلطة الذي يقترحه فوكو يتجاوز نزعة التملّك إلى تهويل فكرة السيطرة، وصولا إلى تموضعها عبر العقاب والسجن، وكلاهما يتعلّقان بالجسد، فهذا الجسد هو المُستَثمَر سياسيا كما يقول فوكو، مثلما هو رمز للضحية الدائمة، بوصف تمثلاته في جسد المجنون، أو المجذوم، والخلط بين الجسدين تحوّل تاريخيا، ومن وجهة نظر السلطة إلى لعبة لتمرير شفرة التعذيب والإقصاء والطرد والسجن والرقابة.

فهل يمكن للسؤال الفوكوي الإشكالي أنْ يكون سؤالا عربيا؟ وهل يمكن للمثقف الفرد في سياقه الوصفي، أو في تموضعه الانتلجنسوي أن يمارس المجاهرة بوظيفة نقد السلطة؟ وما مدى قدرته على تعرية وفضح مرجعيات الرعب والرقابة والقهر التي تملكها؟ وكيف هي النظرة إلى ثنائية العقاب والسجن في سرديات السلطة العربية؟

أحسب أنّ هذه السلطة تحولت عبر تاريخها المرعب إلى نسقٍ حاكم، له تمثلاته في الاجتماع السياسي والثقافي والاقتصادي، وحتى في الاجتماع الأنثروبولوجي، وأنّ هيمنتها العصابية بدت أكثر تبديا من خلال تمثلاتها لسلطة الأيديولوجيا والحزب والمعسكر والنقابة والجماعة والطائفة.

السياق التاريخي لهذه السلطة يرتبط بعلاقة إشكالية مع الإنسان، فهي تسعى دائما إلى فرض صورة “الإنسان الانضباطي” كما يسميه مطاع صفدي، والذي قد يكون صورة لـ”الإنسان المُطيع” أو حتى صورة للكائن الأيديولوجي العقائدي أو الأصولي، والذي أسهمت السلطة بتوصيفاتها الدينية والعسكرية والأيديولوجية في تضخيم صورته، وفي تسويقها النفسي والإعلامي، وحتى إعادة إنتاجه ليكون شفرتها الكراهية، وفي تهويل “وهم العدو” أو حتى في صناعة العدو نفسه.

المثقف العربي مثقفٌ غير تاريخي، أي أنَّ ظاهرته لم تتخذ سياقا محددا، أو مستقلا، إذ ظلت صورته المتشيئة جزءا من تمثلات اجتماع ثنائية السلطة والمعارضة، عبر التماهي مع قوتها، والخضوع لنظامها وإيوانها ورمزيتها، أو عبر التمرد عليها، والاغتراب عنها، وهو ما يجعله خاضعا لتوصيفاتها التي تكرستْ في أدبيات مقدسها، حيث يتحول هذا المثقف إلى (المارق، الزنديق، الكافر، الخارج عن الأمة والجماعة).

الخطأ في التفكير قد يكون مدخلا للحديث عن فلسفة فوكو، بوصفه مجالا للحفر في منطقة مفاهيمية قارّة في الفكر الغربي، لكن الحديث عن التفكير الثقافي العربي لا يمكن أنْ يكون إلّا مدخلا لفحص إشكالية علاقة السلطة بالمثقف بعيدا عن المفاهيم غير المتداولة، وقريبا من فعل الهيمنة الذي تمارسه السلطة عبر مؤسساتها وعقائدها ورعبها، وعبر مقدسها أيضا، بوصفها القوة الوحيدة التي تملك (شرعة) ممارسة العنف، في مجاله الرقابي والجنائي، وحتى الشرعي!

وهذا ما يجعل فكرة الخطأ موضوعا ملتبسا، وحذِرا، فالسلطة تضع الخطأ في خروج المثقف عن السلطة، أو عن ولاية الأمر كما تقول الفقهيات الأصولية، والمثقف يسعى لتوصيف تمرده بوصفه بحثا عن الحق والعدل والحرية والاستقلالية، وهذا ما يفترض تموضعه في الصراع معها، والتعرّض لكل عنفها وتوحشها وملاحقاتها وسجونها.

كاتب عراقي

15