المثقف العربي وشبح السياسة

الخميس 2015/02/19

في الأيام القليلة الماضية شهدت العاصمة البريطانية لندن ميلاد مجلة “الجديد” الفكرية والثقافية الطليعية، وهي من تأسيس الإعلامي والمثقف هيثم الزبيدي، ويرأس تحريرها الشاعر نوري الجراح وهي مفتوحة للفكر النقدي الديمقراطي وللثقافة النقدية المتطورة في العالم العربي، وللمثقفين والمثقفات وللمبدعين والمفكرين والمبدعات العرب، ولمثقفي ومثقفات ومبدعي ومبدعات مختلف الإثنيات ببلداننا.

طرح أحد محاور هذه المجلة قضية فكرية سياسية بالغة الأهمية وتتمثل في موقف المثقفين العرب من الربيع العربي الدامي، ومن مشكلتيْ السلطة السياسية، والدكتاتورية المتعسفة التي أدت إلى خروج الناس للشارع من أجل تغيير الأنظمة التي كرّست التخلف في بلداننا لسنوات طويلة. وبمناسبة صدور العدد الأول من هذه المجلة، انعقدت أيضا ندوة مهمّة قدمت خلالها مداخلات المشاركين فيها حول دور مثقفينا ومفكرينا وعلاقتهم بالراهن العربي، وموقفهم من السلطة السياسية وأنماطها الأخرى. وبهذا الخصوص أذكر أن مؤرخا جزائريا سؤل مرة عن رأيه في المثقفين العرب وعلاقتهم بالسلطة، وطلب منه أن يكتب شيئا عن هذا الموضوع الخلافي الذي أسأل الكثير من المداد منذ حصول بلداننا على استقالاتها إلى يومنا هذا، فقال بلهجة اختلط فيها المزاح بالموقف النقدي الصارم، بأن المشكلة الأساسية التي يواجهها المرء حين يريد أن يدلي بدلوه في هذه القضية تتمثل في وجود “ما يشبه” السلطة السياسية و”ما يشبه” المثقفين في بلداننا عدا بعض الاستثناءات القليلة.

عندما يقال بأنه لا يوجد ببلداننا في الغالب سوى ما يشبه السلطة وما يشبه المثقفين، فذلك يعني في الجوهر ندرة السلطة التي تكرس نفسها لتحقيق مجتمعات الحريات والديمقراطية والوفرة الاقتصادية والرخاء الاجتماعي وكذلك ندرة المثقفين الذين ينتجون الثقافة المتطورة، والأفكار المستنيرة والسلوك الميداني النموذجي. لا شك أنه يوجد لدينا كثير من الحكام المتنفذين، وأصحاب القرارات السياسية والتشريعية، كما يوجد عندنا أدباء ونقاد ودكاترة في مختلف التخصصات ومهندسون وقضاة ومحامون ومدرسون، ولكنّ هنالك فرقا بين الوجود الظاهري والشكلي، وبين الوجود الإبداعي والتنويري والتحديثي.

لا شك أن عدم تبلور فكرة تقاسم الأدوار بين من هم في سدة الحكم وفي دواليب السلطة، وبين أهل الرأي والفكر في مجتمعاتنا، يعد كارثة كبرى. إن أغلب المتمسكين بدواليب السلطة والحكم يعتقدون أنهم فقط أصحاب الفكر والرأي، كما أن نسبة كبيرة من أهل الفكر عندنا يعتقدون أنهم الأوْلى بكراسي الوزراء والسفراء والرؤساء، وهكذا يبدو المشهد وكأنه حلبة صراع حول المكانة والوجاهة ومناصب الحكم، وليس حول المشروع الحضاري المتمثل في البناء الوطني والتنمية المادية الحداثيين ودعائمهما الثقافية والعلمية والفنية.

إن طمس مثل هذه الفكرة في حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية يعد واحدا من المشكلات المركزية المطروحة التي لم تجد حلا إلى يومنا هذا. أما المشكلة الثانية التي تطرح نفسها علينا، بإلحاح وإصرار، فتتمثل في غياب “مشروع” الدولة الوطنية التحديثية المؤسسة على الهندسة الفكرية وليس على المشاغبات الشللية أو الحزبية التي تتميز بالمعارك البهلوانية والتشرذم والعنتريات التي لا تغني ولا تسمن من جوع أو من عطش. لو كان لدينا “مشروع حضاري” في صورة قضية كبرى، فإن المثقفين وكذلك أصحاب وأعوان السلطة سينطلقون، أولا وقبل كل شيء، في تقاسم الأدوار حيث ينجز كل واحد وفي ميدان تخصصه، ما يساعد على تحقيق ذلك المشروع المحوري. أما المشكلة الثالثة التي تطفو إلى السطح فتتلخّص في حصر السلطة في نطاق وأدبيات وممارسات الحكم فقط، علما أن السلطة مفهوم مركب ومتعدد الأبعاد، وليست ذات بعد سياسي وتنفيذي أحادي البعد، لأن مفهوم السلطة يعني سلسلة الخطابات والممارسات المنتجة للمعنى، وهكذا يكون التراث سلطة، وتكون القيم الاجتماعية سلطة، وتكون الأيديولوجية الدنيوية أو الدينية سلطة.

ومن هنا فإن اتخاذ الموقف من السلطة، سواء بسلوك مسلك التغيير في أبنيتها المادية وتجلياتها في الوعي والأخلاقيات وأسلوب العمل وفي العلاقات الاجتماعية، أو بالقيام بفرزها وتحليلها وتنقيتها ونقدها، ليس أمرا هيّنا، لأن السلطة بمعناها الشامل لا تقيم في المستوى العلني من حياتنا غالبا، بل إنها موجودة في المناطق اللامرئية من ذواتنا وتسكن في لاوعينا الفردي أو الجمعي. إن سلطة القيم لا ندركها بسهولة دائما علما أنها تحركنا وتشكل أنماط علاقاتنا مع بعضنا البعض بلاوعي منَا في كثير من الأحيان، والدليل على ذلك هو أن تغيير القيم والبنيات الثقافية والوعي ومخزون اللاوعي لا تنجز ببساطة وفي لحظة من الزمان أو موسم. يمكن أن نستبدل عمارة بعمارة أخرى في ظرف زمني قياسي إذا توفرت الإمكانيات المادية والمعرفة المعمارية، ويمكن لنا أن نقيم مصنعا لإنتاج الدراجات محل مصنع لإنتاج المعلّبات، ولكن استئصال القيم الأخلاقية البالية أو أنماط التفكير الأصولي الخرافي أو الديني المتطرف وإحلال بدائل أخرى مخالفة لها محلها، مسألة صعبة ومعقّدة ودرامية حقا، وهي عملية طويلة المدى وأحيانا لا تنجح إلا جزئيا.

هنا نرى أنه لابد من التمييز بين قيم السلطة القمعية، وبين سلطة القيم الجمالية ومخزون قيم الموروث الحضاري بكل أنواعها وتنويعاتها الثقافية والدينية والاجتماعية والأخلاقية.

من المعروف أن السياسي البراغماتي، بطبعه الاستعجالي، يتعامل مع الراهن والممكن في الحال، ولكن المثقفين الثوريين يتعاملون مع المشاريع الحضارية الكبرى ذات الصلة بمسار التاريخ وتطور الأفكار، إلى جانب اهتمامهم بالظواهر الآنية الملحة ولكن من منظور نقدي ووفق حساسية فكرية وثقافية عاليتين. في هذا النطاق بالذات نفهم أن المثقفين الحقيقيين هم المهندسون الوطنيون الذين يرسمون داخل رحم الواقع اليومي، المخططات الهندسية الروحية والفكرية والثقافية والفنية والاقتصادية والأخلاقية والمضمون الجديد للمدنية.

إنَ التحدث عن المثقف لا يعني تقديم مجرد وصفة عن كيان تجريدي معلق في الفراغ لأن المثقف الذي نعنيه هنا هو ظاهرة اجتماعية وتاريخية وحضارية بامتياز. ففي التاريخ توجد نماذج هذا النوع من المثقفين الذين لعبوا أدوارا تأسيسية جذرية سواء في ميدان الإصلاح الجزئي، أو على مستوى التغيير الراديكالي للمنطق الكلي للمرحلة التاريخية التي عاصروها، ويمكن ضرب الأمثلة بخصوص هذين النموذجين من المثقفين المنتمين سواء للعصور الحديثة أو لعصرنا بجان جاك روسو، وفولتير، وتوماس باين، من العالم الغربي، وفرانز فانون، وأبو القاسم الشابي، والطاهر الحداد، وعبدالحميد بن باديس، وجمال الدين الأفغاني، وغاندي من العالم الثالث، فضلا عن شخصيات تاريخية نموذجية أخرى كثير لعبت بطرق وأساليب مختلفة أدوارا عدّلت في الحساسية الثقافية والمواقف الأخلاقية، وأحدثت تغييرات في أنماط التفكير، أو في الممارسة السياسية. وفي هذا الصدد يقفز إلى الذاكرة الشعار الشهير الذي رفعه كانط والذي ينبغي أن يتميّز به المثقف النقدي: “الشجاعة أن تستعمل فهمك الخاص بك” لأنه “إذا كان لديّ كتاب ليفهم في مكاني، والمستشار الروحي ليوفر لي الضمير، والطبيب ليقرر لي الحمية إلخ، فإنني لا أحتاج أن أقوم بأي جهد على الإطلاق”.

بناء على ما تقدم فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرح على راهن واقعنا العربي هو ليس من شاكلة بذخ الأسئلة الأكاديمية المماحكة المولعة بالتعريفات الجاهزة مثل: ما هي الديمقراطية وما هي العدالة؟ بل ينبغي أن يكون عملنا منصبا على البحث العلمي الجاد عن الشروط النفسية، والثقافية والاجتماعية والسياسية والروحية والاقتصادية والتشريعية التي تمكننا من السير نحو الديمقراطية والتنوير، مع الانتباه إلى التحذير الذي سجّله أحد أقطاب عصر التنوير الأوروبي وهو كانط نفسه بخصوص “الانقلابات لتحقيق التنوير” لأن “الجمهور لا يمكن أن يصل إلى الأنوار إلا ببطء، ولا يمكن لثورة أن تؤدي إلى سقوط الاستبداد الشخصي والاضطهاد المغرض أو الطماع، لكنها لن توفر لنا الإصلاح لطرائق التفكير، وعوضا عن ذلك فإن أضرارا جديدة، مثل تلك التي أخذت مكانتها، سوف تستخدم كرسن للتحكم في الجمهور العريض الذي لا يفكر”.

ألا تتمثل مهمّة المثقفين العرب في تحطيم “الرسن” الذي يوضع في أفواه الجماهير لتقاد مثل الحيوانات، وجعل هذه المهمة شرطا أوليا لفتح طريق الحريات للسير نحو التنوير العربي المنشود؟


كاتب جزائري

9