"المثقف الفهلوي" العابر للثقافات

الأحد 2013/09/29
أسماء هامشية تخترق الثقافة العربية

من جملة مظاهر الفساد الثقافي التي سادت في الحياة الثقافية العربية خلال السنوات الماضية ظاهرة مثقف الشنطة الذي تجده يطير من مهرجان أو ندوة أدبية هنا إلى مهرجان أو ندوة ثقافية هناك، حتى أصبح أي متابع للشأن الثقافي ما أن يقرأ إعلانا في جريدة أو مجلة عن مهرجان أو ندوة أدبية حتى يعرف سلفا اسماء المدعوين إليه دون أن يضطر لاستكمال قراءة الإعلان.

هذه الظاهرة التي تفشت في الحياة الثقافية العربية وغدت مظهرا من مظاهرها البارزة ما كان لها أن تتكرس لولا سيادة الفساد الثقافي وتبلور شخصية المثقف" الفهلوي" الذي يعرف كيف تدار الأمور وتتم عملية تبادل المنافع والمصالح، إذ لا يمكن لك أن تكون جزءا من هذه اللعبة إذا لم تكن قادرا على إدارة هذه اللعبة ولديك ما تقدمه للطرف الآخر مقابل ما يقدمه لك.

صحيح أن بعض الاسماء استطاعت أن تكرس حضورها وتفرض نفسها كشخصية إبداعية لها رصيدها الأدبي والمعرفي وتحتاج تلك الندوات لوجودها بغية ، وإضفاء قيمة معنوية على تلك الأنشطة، لكن الغالبية من الاسماء المشاركة فيها تظل من الشخصيات الأدبية التي يحسن تسميتهم بمثقفي العلاقات العامة الذين لا يتعبون من التنقل المستمر بين مطارات العواصم والمدن العربية المختلفة وكأنهم يمتلكون مفاتيح الإبداع العربي ويضعونها في جيوبهم ولا يمكن للمهتم بالثقافة العربية أن يدخلها من أبوابهم.

المثقف الفهلوي وكيل حصري لمهرجانات الهيئة الثقافية أو الأكاديمية، يرشح المدعوين ويحدد قيمتهم، في ضوء الخدمات التي تقدم له ...

على هامش هذه الظاهرة وبسبب الضغط الذي يشكله هذا الانتقال المتواصل بين أروقة الندوات والمهرجانات استطاع هؤلاء الكتاب الفهلويون اختراع ما يسمى الحديث عن التجربة الشخصية مع الكتابة، بحيث يكتفي هذا المبدع أن يجلس على كرسيه الوازن ويروي للجمهور تجربته في الكتابة وكأنه يقوم بعملية استحضار للأرواح، بل إن بعضهم يمكن أن يعد خلال ساعات الطيران موضوعه ثم يتحف به جمهور الندوة ويفك له طلاسم الكتابة العربية أو يتلو عليه ما فاضت به قريحته وهو يعانق سماء تلك البلاد حتى وإن كان يزورها للمرة العاشرة.

بعض هؤلاء الكتاب تحول مع الوقت إلى وكيل حصري لمهرجانات هذه الهيئة أو المؤسسة الثقافية أو الأكاديمية، فهو من يتولى ترشيح اسماء المشاركين الذين يستحقون تمثيل ثقافة هذا البلد أو ذاك وهو من يحدد قيمتهم، كل ذلك في ضوء الخدمات التي يقدمها هذا الكاتب أو الشاعر أو المترجم لهذا الوكيل، أو وفقا لاعتبارات شللية تشكل شخصية الكاتب الوكيل محورها فهي من تمسك بكل خيوط اللعبة، وتقوم بتوزيع المهام والأدوار على أعضائها المنتفعين حتى بات الكتاب والأدباء في هذا البلد أو ذاك لا يرون في إبداع البلد الآخر إلا تلك الوجوه التي غالبا لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وفي أحيان أخرى أقل من هذا العدد.

المثقف الفهلوي اللاجئ أو المغترب لا يقل إساءة للثقافة العربية عن المثقف الفاسد في الداخل العربي فكلاهما يعملان على تكريس الفساد الثقافي.

شخصية المثقف الفهلوي هذه لا تقتصر على هذا الدور، بل هي تفعل فعلها في مجالات الدعاية لنفسها بوصفها شخصية معارضة تنحاز لقضية الحرية والحداثة وتعارض الاستبداد والفساد السياسي والاقتصادي في الوقت الذي تعتبر الفساد الذي تمارسه نوعا من الشطارة أو الاحتفاء بقيمتها الأدبية.

إن المفارق والمدهش في سلوك هؤلاء المثقفين هو قدرتها على الاحتفاظ بعلاقات قوية مع القيمين على الشأن الثقافي داخل تلك المؤسسات الثقافية الرسمية بحيث يتيح لها ذلك التدخل في تحديد المدعوين إلى أنشطتها من الكتاب والأكاديميين والشعراء العرب مستغلة في ذلك حاجة القائمين على تلك الأنشطة من غير المعروفين حتى في الوسط الثقافي المحلي للوصول إلى تلك الشخصيات الأدبية، ناهيك عن حاجتهم لمن يقوم بالتعريف بهم وفتح باب المشاركات أمامهم في الأنشطة الأدبية والثقافية العربية الأخرى، أو من خلال شبكة العلاقات العامة التي يتقنون نسجها وتوسيعها لكي يستطيعوا التدخل في وضع من يريدون من اسماء ضمن لائحة المدعوين للمشاركة.
شخصية المثقف الفهلوي تقدم نفسها بوصفها شخصية معارضة منحازة لقضية الحرية والحداثة ومعارضة للاستبداد والفساد السياسي والثقافي، أما الفساد الذي تمارسه فتعتبره نوعا من الشطارة وضربا من الاحتفاء المشروع بقيمتها الأدبية.

لقد نجح البعض حتى ممن كانوا على هامش الحياة الثقافية بسبب تواضع منجزهم أن يكرسوا اسماءهم ويحققوا شهرتهم كشعراء أو كتاب إلى درجة باتت تثير استغراب المبدعين في بلدهم وذلك من خلال استغلال بعض الاعتبارات ودفع الجهات الثقافية الرسمية لتقديم الدعم المالي والإعلامي لمهرجاناتهم التي أجادوا عملية توظيفها لتبادل المنافع مع الجهات الثقافية العربية الأخرى على قاعدة أدعوك وتدعوني خاصة بعد محاولة بعض الأنظمة استغلال تلك المهرجانات للدعاية لنفسها باعتبارها راعية للثقافة والمثقفين.

مع بروز ظاهرة أدباء المنافي تكرست في المهجر أسماء هامشية وباتت بفعل اختراقها لمؤسسات اللجوء وقدرتها على الترويج لنفسها مرجعية في تحديد الأدباء الذين يستضافون في الغرب.

ومع بروز ظاهرة أدباء المنافي واختراق الحياة الثقافية في تلك البلدان التي يقيمون فيها من قبل من يتقنون التسويق والدعاية الشخصية بغض النظر عن القيمة الأدبية الحقيقية لهم لم يكن الحال بأفضل مما هو عليه الأمر في مواطنهم الأصلية، حيث تكرست هناك اسماء هامشية كثيرة وباتت بفعل نشاطها وقدرتها على الترويج لنفسها أن تغدو مرجعية في تحديد الاختيارات التي يمكن أن تشارك في هذا المهرجان أو الندوة، بينما ظل المبدعون والمبدعات الحقيقيون في تلك المنافي بعيدا عن تلك اللعبة ومغرياتها المنفعية ما أساء كثيرا لعملية التعريف بالواقع الحقيقي للإبداع العربي وتقديم الثقافة العربية إلى جمهور أجنبي يجهل الكثير عنها إن لم يكن يجهلها تماما.

هذا المثقف الفهلوي اللاجئ أو المغترب لا يقل إساءة للثقافة العربية وانتشارها من مثقف الداخل فكلاهما يعملان على تكريس الفساد الثقافي والترويج لإبداع لم يجد حتى في موطنه الأصلي رغم تدني المستوى الثقافي في تلك المؤسسات أي اهتمام أو قيمة أدبية، وقديما قيل (الغربة مضيّعة الأصول).

بعد كل هذا يبقى السؤال الملح الذي يطرح نفسه بعد عمليات تجديد هواء البيت العربي في أكثر من مكان بفعل انتفاضات الشباب العربي هل تستطيع الثقافة العربية ومثقفوها الشرفاء تجديد هواء البيت الثقافي وتكريس واقع جديد يكون فيه للقيمة الإبداعية الاعتبار الأول والأخير سواء في الحياة الثقافية العربية أو فيمن يمكن أن يكلف بتمثيلها في المهرجانات والندوات الدولية دون أن يترك للمثقف الفهلوي هناك وللمؤسسات الغربية التي تعمل وفق أجندتها الخاصة مهمة الاختيار والتمثيل لاسيما أن كثيرا من هؤلاء المثقفين باتوا يعرفون نوع البضاعة التي يطلبها الغرب عادة من المثقف الأجنبي لاسيما المثقف العربي والإسلامي. سؤال نضعها برسم المثقفين العرب في مرحلة التغيير العربي الجديدة.
11