المثقف اللاسياسي

الاثنين 2013/09/09

كلما ازدادت همجية العالم وارتفع معدل العنف والقتل، بدت الحاجة إلى المثقف أقوى، لأن المثقف يبحث عن دوره الأخلاقي والمعرفي، في الكشف دوماً عن أسباب العنف، والبحث عن طرق إيقافها.

في ممارسة المثقف لدوره الأخلاقي والمعرفي، سيصطدم بالكثير من المعوقات التكفيرية والتخوينية لدى قطاع واسع من الآخرين، سواء الذين يتفقون معه بالرأي عموماً ولكن يختلفون بالتفاصيل، أو الذين يختلفون معه خصوصاً كطريقة غير مرغوب بها، لتحليل ما يحدث، حيث الغلبة اليوم للخطاب العاطفي الانفعالي، والدعوة للتفكير أصبحت بمثابة التهمة.

ليس لدى المثقف عادة بديهيات كبرى، بل يعمل دوماً على التحليل والاستنتاج والتفكير المتواصل، وكأنه حاسوب فكري متنقّل لايكفّ عن العمل، حتى في النوم.

وتبقى نزاهة المثقف، وحياديته المشتعلة، محل رهان كبير، لأن الحيادية هنا متشابكة، فهي حيادية ذهنية، متداخلة مع عاطفية غير محايدة.

وفيما يتعلق بالمثقف السوري، وأمام كمية المعلومات المتدفقة أمامه، وصيحات العنف والانتقام والكراهية، كيف يستطيع المثقف أن ينجو بنفسه من التورط في النداء للعنف والانتقام والكراهية، وفوق هذا، أن يتمسك بخطابه الذي يدعو الآخرين إلى تبني خطاب مماثل، هادئ ورصين وعقلاني، بينما الدم على الأرض، وجثث الأطفال ملفوفة كحبات السكاكر المغلفة، والتي لم تعد صالحة للعيش… كيف يوازن المثقف بين دوره المعرفي، وحساسيته المصدومة، كإنسان أيضاً، يحاكم نفسه والعالم، بمقاييس صارمة، وإن حاول ألا تكون عنفية وثأرية؟

إن دور المثقف الآن يكاد يشبه دور الرسل في الحكايات الدينية والأساطير. عليه أن يعيش هذا الألم والصدمة والذهول، كما غيره، ويضبطه، يتحكم به، هذا الانفعال الموجوع والمقهور، يمارسه بينه وبين نفسه، ثم يتماسك ويخرج إلى الآخرين، ممارساً دوره الأخلاقي، بعيداً عن ألمه الشخصي. عليه الحذر من الانجراف العاطفي، وضبط انفعاله داخلياً، والالتجاء للرصانة والعقلانية، رغم ضجيج طبول الحرب حوله، والتي يدقّ عليها الجميع تقريباً.

يكاد يشبه عمل المثقف، مايقوم به الجرّاح. الذي عليه ألا يتألم وألا يصاب بالغثيان والدوار وهو يشرّح جثة بشرية أمامه، لكائن ربما عرفه وجلس معه وشرب معه القهوة. لأنه طبيب، يترك ذاكرته ومخيلته وانفعاله البشري على جنب. إلا ان المثقف لا يمارس مهنة علمية دقيقة، يستطيع وفقها، ترك مشاعره على جنب، لأن عمله أيضاً قائم على المشاعر، فالمثقف الروائي ، أو الشاعر، أو الموسيقي، أو الرسام، يشتغل على الحساسية الداخلية للإنسان والعالم، ويصوغها في كلمات وألوان وأصوات وأشكال…

يفتقد الخطاب السوري في عمومه، إلى المثقف الخالص، وهذه ليست تهمة، بل نتيجة طبيعية لكثافة العنف اليومي، الذي جعل الفريق الأول، ينخرط في السياسة، فيأخذ مواقف(غير ثقافية) ، وجعل الفريق الثاني ينزوي…

مع أن الساحة السورية لا تخلو من جهود المثقفين، لكن الخوف أن أغلبها تصب في جدول السياسي، لأن حجم الألم رفع مستويات الغضب، أعلى من العقل، والمثقف المطلوب اليوم، بمثابة نبي. نعم، المثقف المُنتظَر ليخرج من بُرك الدم، نبي جديد!

________________


روائية من سوريا مقيمة في باريس

14