المثقف المعتزل

الاثنين 2013/08/19
الصحافة العراقية والتناقضات المزدوجة في نقل الحدث

الغيبوبة الطويلة للوعي تصيب، في العراق، نمطاً سائداً اليوم من المثقف المكتفي بالشكوى، البارع بالحديث النظريّ في كل حقل، والسخرية المفرطة السلبية، ثم البكائيات العالية بعد أن يقع الفأس بالرأس، وهي كلها إشارات بعدم وجود أمل بحضور حركة مثل حركة "تمرّد": صناع تمرّد المصرية شبان في أواخر العشرينيات وأسَنّ قليلاً، اشتغلوا في الشارع كما في وسائل التواصل الاجتماعي، وحاوروا الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وكانوا من الفاعلية الجسدية والحماس الدائب والعنفوان الذي نجد مقابله في عراق المحاصصة الطائفية كسلاً وبطراً وتنظيراً، لا تُغني ولا تُسمن أمام فساد الأحزاب الدينية ومفخخات القتل الجماعيّ اليوميّ.

تقرأ الصحافة العراقية، تجد أن الحديث خافت بالأحرى عن تفجيرات كل يوم، بارد غثّ كأنه حدث محليّ روتينيّ لا قيمة له، بينما مثله كفيل بإسقاط أيّ حكومة في العالم.

وإذا ما استثنيتُ بعض المقالات والمنابر، يبدو أن مثقفين كثيرين في البلد قابعون في اليأس واللا مبالاة والسلبية إزاء هذا القتل المجانيّ. فهم إذنْ إما متورطون مع الأحزاب الدينية، أو يشيحون تماماً بظهورهم للحياة المدنية وإنْ زعموا العكس لفظياً. بعضهم يشتغل مثل "القوّالات" الشعبيات: بارع بالكلام إلى درجة محق الخصوم، لكن من دون أدنى مسؤولية فعلية تجاه الآخرين، قرائه المذبوحين ذبحاً في شوارع ومقاهي العراق. هذا القتل كفيل بتفجير زلزال اجتماعيّ إذا حَوّلت الكتاباتُ الأبصارَ نحوه.

ليس عن (الجميع) نتكلم هنا، إنما عن (الغالبية) من كتّابٍ ومثقفين وقفوا سابقاً موقفا "قدرياً" من البعث وداهنوه وانتموا إليه وصالحوه ونشروا في صحافته، وينهلون من الموقف ذاته اليوم: المداهنة والانتماء والمصالحة والنشر في صحافة الأحزاب السائدة. يتوجّب وضع هذه الظاهرة تحت الشمس، وتفسيرها.

إذ فيها شيء يُعاوَد بإلحاح، ولا يتعلق فقط بالشروط الموضوعية: ثمة "ثقافة" سائدة، جمعية، تقوم على أساس (الانسحاب) من المعارك الجوهرية لكن البراعة في (التبرير).

ثمة إذنْ مثقف طافٍ على السطح يعتبر نفسه من دهاة العرب، طالما يعرف كيف "يُسلّك" أموره الشخصية، ويحصل على المنافع، مؤجِّلاً إلى الأبد منافع الجماعة التي يشتغل بين ظهرانيها، إلا كلامياً ونظرياً. يداهِن الحاكِم، يداهن القويّ، يداهِن ويمجّد محرّري الصحافة العربية، يشتغل لصالح "أناه" في المقام الأول ومن بعدها فقط "أناه" ثم يأتي في المقام الأخير "أناه". في زمن القتل والمفخخات ما قيمة ذلك؟. هذا ليس من الدهاء بشيء.

لا يغرنكم الكلام المؤثث بالبلاغة: نعرف أن هذا المثقف الطافي انتخب المالكي أيضاَ. لكننا لا نعرف ما هي المبررات الثقافية والنظرية والجمالية التي قادته لهذا الخيار. لسنا في موقف الدهاء ولا العجز هنا، إنما الطائفية الفاقعة، وهذا أعجب العُجاب من طرف كاتبٍ لا يكلّ ولا يملّ عن إعلان معارضته للطائفية.

هل نضع قائمة بالمبررات التي سيقولها المعنيّ لإنقاذ ذاته من هذه التناقضات الجسيمة التي تفتك في نهاية المطاف بمعنى الكتابة والفعل الثقافيّ برمته؟. نعرفها جميعا. التبرير أداة العاجز، ويبرهن بالأحرى ولا ينفي الظاهرة.

14