المثقف ديكتاتور يقطع رأس الابن ويصادر المستقبل

الثلاثاء 2013/11/26
الثقافة العربية... هل يوازي الكم المطبوع ما يتوق له الفرد؟

عطفا على مقالة الشاعر نوري الجرّاح "الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي"، المنشورة في ركن الرأي بجريدة "العرب الدولية" بتاريخ 7 نوفمبر 2013 وما أثار فيها من أسئلة طالت قضايا الحداثة، واستبداد مفهوم "الأبوّة" في صورتيْها السياسية والشعرية، وطغيان الذّات المهدّد بقتل كلّ فكر جديد ومخالِف، وبعد نشر ردّ الكاتب أزراج عمر المعنون بـ"هل نحن حداثيون أم ما بعد حداثيين" في عدد يوم أمس من العرب، يشارك الكاتب عمّار ديّوب في السجال بنص تحت عنوان عنوان "لماذا فشلت حداثتنا" وفيه يحاور مضمون مقالتيْ نوري الجرّاح وأزراج عمر عبر رؤية مختلفة لمسألة الحداثة وشروط تجدّدها في الواقع العربي.


الحداثة الزائفة


إذا أخذنا بمقاييس أوروبا أو حتى روسيا أو الصين، فليس من حداثة عربية نجحت، بل إن الفشل هو صيرورتها؛ فقد فشلت في التأسيس لنظام الحكم والاقتصاد والتعليم والثقافة؛ ليتكرس واقعٌ شديد التأزم وفي كامل مستويات البنية الاجتماعية. هذا حال الدول التي انتهجت النهج القومي أوالتي لم تنتهجه كذلك، وبالتالي ما سرّ كل هذا الفشل العظيم؟

الحداثة تاريخيا اقترنت مع الرأسمالية؛ إذ أنّ نويات تشكّل نمطها الاقتصادي خاضت صراعاتها ضدّ الإقطاع، وكانت تعيينات الحداثة تنبثق تباعا بما يوازي ذلك، وقد تعمّمت الحداثة والنمط الاقتصادي حالما سقط النمط الإقطاعي، لتسود الحداثة في كافة مناحي الحياة، ففي الاقتصاد سادت الصناعة، وفي الدولة سادت المواطنة، وفي الثقافة ساد العقل، وفي التعليم أقصي التعليم الديني لصالح الفلسفة والعلم والقوانين الوضعية، وهكذا، وبالتالي دخلت العقلانية والفرد التاريخ الحديث، وتطور كل ذلك بسياق تطور الرأسمالية كنمط إنتاج عالمي، وكبنية ثقافية عالمية، وبالتالي مع الرأسمالية، بدأ التاريخ الحديث وبدأت الحداثة بما هي كل ما هو مضاد ومتجاوز للنمط التقليدي الإقطاعي.

الحداثة الرأسمالية هنا، كانت واثقة بنفسها، وبقدرتها على التغيير، واستمر بذلك صاعدة وتقدمية حتى بداية ثورات 1848، هنا بدأت الرأسمالية تنتقل من صعودها وتقدميتها إلى مرحلة إخفاقاتها، ودخلت في طور تراجعها كنمط ضروري، وأبرزت الأزمة الاقتصادية لعام 1929 ذلك بكل وضوح وجلاء، وبدأت تتحول إلى الأمبريالية والاستعمار الكولونيالي، أي أصبحت طبقة رجعية على طول الخط إذ تعممت الرأسمالية كونيا؛ وهي عالمية بماهيتها الأصلية، ولكنها مع الأمبريالية فعلت ذلك بقوة الجيوش والاستعمار ونهب الثروات واقتسام العالم، وبذلك بدأت القارات القديمة تنتقل إلى الرأسمالية، وتدخل مرحلة الحداثة بقوة النيران وبتدمير أشكال العلاقات الاجتماعية القديمة، ولنقل تمّ إخضاعها كليّا للرأسمالية والاقتصاد النقدي والمنافسة الحرة.

دخلت الحداثة العالم المتأخر من بوابة الاستعمار، لتكون حداثتها حداثة استعمارية بامتياز، فتزامن ذلك مع طور الأزمة في الدول الرأسمالية المركزية، لتكون بداية حداثتنا بداية تاريخنا وبداية أزمتنا كذلك، وبالتالي دخلنا ومنذ البدء بطورين معا، طور صعود الرأسمالية وطور أزمتها وفشلها؛ فلم تتشكل لدينا رأسمالية كرأسمالية أوروبا، معنية فعلا بالحداثة، بل بقيت توفق بين القديم والجديد، ففي السياسة لم يتشكل نظام ديمقراطي، ولم يقرّ القانون الوضعي حيث المساواة كاملة، ولم يفصل الدين عن الدولة والسياسة والتعليم وقانون الأحوال الشخصية، ولم يتح للعقل حرية النقد، وغيره كثير.

رأسماليتنا قبل الاستقلال، لم تصبح صناعية بل بقيت أقرب للتجارية والزراعية، وبالتالي لم تتشكل النقابات والاتحادات، كبدائل عن العشيرة والعصبية والطائفة والمذهب الديني، بل إنّها توسلتها لتفرض سيطرتها وهيمنتها.

هناك مجموعات صغيرة، قدمت تصورا متقدما أسس لحداثة فعلية، لم يغير في المشهد آنذاك، وتمّ قمعها بأشدّ أشكال الانتهاك والتدمير والقتل والنفي وسواه

لم تلحظ معالم التأزم في الحداثة العربية بداية، وقبالة ذلك سادت ملامح الصعود، حيث كان عصر ما بين الحربين العالميتين وحتى نهاية الستينيات، عصر تحرر وحرية؛ وعصر دخول الشعب حقل التاريخ الحديث، وبالتالي كان الانفتاح بكل معانيه، سمة العصر آنذاك، وكان لا يزال الاستعمار جاثما على صدر المجتمعات، فكان مطلب الحرية والتحرر، مطلبا وهدفا مجتمعيا عامّا. زوال الاستعمار، عبر ثورات شعبية متعددة الأشكال، فرض تشكّل الدولة، والأخيرة هي انعكاس للطبقة المسيطرة في المجتمع، ولكن الطبقة البرجوازية التي دامت مسيطرة لعقود متتالية، لم تكن قادرة على الاستقلال الكامل، وكانت كولونيالية، أي كانت طبقة مأزومة، وتشكلت في كنف الأمبريالية، وبالتالي أخفقت في تكريس مبادئ الحداثة وفي تحديث المجتمعات، ودخلت ومنذ لحظة صعودها لحظة تأزمها، فهي تأخذ بكل أشكال الحداثة، ولكنها تأخذها كهياكل فقط، فلا البرلمان برلمانا، ولا الصناعة صناعة، ولا الفرد يحوز حريته، ولا المساواة مساواة ولا الثقافة ثقافة حداثية، عدا معاداتها للطبقات الكادحة.

الأمر عينه يسري على الثقافة؛ فسرعان ما أخفقت مشاريعها، وصارت أقرب لحالة الطبقة البرجوازية المتأزمة، فلم يظهر لدينا ما يعادل ديكارت ولا كانط ولا هيغل ولا ماركس، في هذا الوضع كانت الحداثة العربية حداثة كولونيالية، وأعادت إنتاج التأخر العربي، حينما زالت موجات التحرر والحرية العالمية، لتسود بديلا عنها المحافظة الاجتماعية، والشمولية السياسية، ومنع نقد الدين، ولم تنشأ صناعة متقدمة، ولم تتأسس الدولة العربية الواحدة، ونشأت بديلا عنها دويلات عربية متعددة، وضع أساساتها الاستعمار.

الثأر من المدنية


الدولة القومية الحديثة بعد الاستقلال، تأسست بانقلاب عسكري، ونجحت في ذلك، لأن الطبقة البرجوازية الكولونيالية لم تستطع تلبية احتياجات المجتمع، فسقط مشروعها التاريخي كطبقة مسيطرة بسبب ضعف نمطها الاقتصادي، ومن هناك كان سهلا إسقاطها في سوريا ومصر وسواها، وذاب كل ما كان موازيا لها من مجتمع ليبرالي، أي كولونيالي. وبذلك تأسست لدينا، دويلات قومية يحكمها عسكر ينتمون للريف بالعموم، ولديهم ثأرهم الطبقي ضد المدنية، التي كانت فاشلة في تحديث الريف وحل المسألة الزراعية به وتنميته، وفشلت في قضية فلسطين وفي سواها.

هذا الانقلاب يمثل الطبقة البرجوازية الصغيرة، ويشكل وصولها للسلطة مرحلة انتقالية، ستنتهي بإقامة أسوإ نظام شمولي؛ فهي طبقة لا مكان لها بالتاريخ كطبقة مهيمنة، ووصولها إليه يكون بسبب أزمة الطبقتين الرئيسيتين، وبالتالي، وبتتالي العقود ستعود هي بالذات لتتخلى عن كل مشاريع العلمنة والقومية والاشتراكية والإصلاح الزراعي، وكل هذه القضايا، لصالح قوانين ليبرالية تنظم الاقتصاد بشكل ليبرالي وتؤمن نهبا كاملا للاقتصاد وانفتاحا وتبعية لصالح الرأسمالية العالمية. هذا هو الشكل الطبيعي للصيرورة التاريخية، كطبقة كولونيالية متجددة، جاءت كبديل عن التقليدية منها في إطار تاريخ أنشأته الأمبريالية، في سوريا ومصر والعراق وليبيا والجزائر وسواها.

وبالتالي ليس من حداثة حقيقية، وبأدق المعاني، حداثتنا الحقيقية هي حداثتنا الزائفة، والتي تناسب الطبقة البرجوازية الكولونيالية. وهو ما يسري على الثقافة العربية البرجوازية، والتي لا تمتلك رؤية لتغيير الواقع، فارتبطت رؤيتها مرة بقدرة البرجوازية الكولونيالية بين الحربين على استنهاض البنية الكولونيالية ففشلت في إحداث قطع معرفي وثقافي مع المجتمع القديم وثقافته ولم تتمثّل الثقافة الحداثية الرأسمالية، وثانيا حينما اعتقدت بإمكانية الطبقة البرجوازية الصغيرة، على إحداث النهضة والحداثة تحت يافطة القومية والاشتراكية، ولم تتمثلها جيدا كذلك.

إن وجود مجموعات صغيرة، قدمت تصورا متقدما أسس لحداثة فعلية، لم يغير في المشهد آنذاك، فتمّ قمعها بأشدّ أشكال الانتهاك والتدمير والقتل والنفي وسواه.

لنصل وبعد إخفاق شكلين من الرأسمالية في الحداثة، إلى استنتاج يقول: إن جذر التطور والحداثة لا يمكن أن يتأصل ويتجذر ما دامت الرأسمالية بأنواعها تسيطر على مجتمعاتنا، لأنها ستكون تابعة بالضرورة لنظام رأسمالي كوني، أي لن تكون خارج نمطها العالمي الداخل بطور أزمته.

خارج السياق


كل ثقافة لا تتجاوز في قراءتها لحاجات المجتمعات النمط الرأسمالي، ستضيف أوهاما جديدة، عن قضايا ومشاريع ثقافية للنهوض، وستجدّد فشلها بشكل تكراري وأبدي. الخروج من ذلك يتطلب من الثقافة العربية أن تقطع كليا مع ثقافة البرجوازية بشكلها الرأسمالي والكولونيالي، وأن تستند فقط إلى قيمها الأساسية كالعقلانية والفرد والمواطنة والدستور الوضعي وحرية النقد، بل وضرورة الصناعة الحديثة ووضعها في سياق تاريخي جديد، يسمح فعلا بتأصيلها، وعلى أرضية مخالفة للملكية الخاصة، وعبر الاستقلال عن الأمبريالية العالمية (كعولمة أو ككولونيالية)، وضمن إطار نظام اقتصادي وسياسي كوني جديد. وهذا لا يتحقق إلا برؤية ماركسية نقدية ومتقدمة، تساهم في نقل المجتمعات الكولونيالية إلى مجتمعات قابلة للنهوض، وبالتالي أصبحت الحداثة خارج سياق الرأسمالية. حيث أن الرأسمالية الكولونيالية هي من أعاد إنتاج العلاقات التقليدية والقديمة وطيفها أو مذهبها.

الفشل الكامل هذا للطبقة البرجوازية، انعكس فشلا على الثقافة الملازمة لها، وستفشل كل محاولة جديدة، لا تتجاوز هذا الفهم الضيق للتاريخ؛ أي حينما تفشل كل الدول العربية، وبمختلف أشكال أنظمتها السياسية. الثقافة التي سادت لم تستطع استقراء أسباب الفشل، -فهي شريكة في ذلك- وبالتالي كان المثقف كالديكتاتور، وعمل حثيثا على قطع رأس الابن ومصادرة كل مجموعات التجديد الثقافي، وبالتالي صار لا بدّ من إسقاط نهائي للطبقة البرجوازية وقطع رأسها كطبقة مهيمنة مع ثقافتها ومثقفيها، وتحويل أفرادها إلى مواطنين أحرار بدولة جديدة، تتيح إمكانية الحداثة والعقلنة والعلمنة والمواطنة والديمقراطية.

في ظروف أزمة مجتمعاتنا، فإن فلسفة ما بعد الحداثة، تتوافق مع مفاهيم التدين والعصبية والأنانية والتهميش، وحكاية الأقليات، وتغييب مفهوم الفعل التغييري ورفض الحداثة كمشروع للتقدم والعقلانية والتصنيع، وطبعا اجتثاث الماركسية وصراع الطبقات، وأن من سنن الحياة، وتميّز المجتمعات بقاؤها متخلفة! وبالتالي تكريس فهم يعزز آليات تفتت المجتمعات الكولونيالية، ومنها مجتمعاتنا، إلى إمارات متصارعة، وكتل بشرية مهمشة، وغياب أي أفق للتقدم، وهو ما تعمل من أجله هذه الفلسفة تحت شعارات غبية كمحاربة العقلانية والماركسية والشمولية، بل والرأسمالية "الغربية"، وهو ما يتيح المجال واسعا إما لسيطرة الديكتاتور أو أمراء الجهاد وسواه.

إذا، الحداثة العربية ومنذ أن تشكلت دخلت في طور الأزمة، وغابت عنها إمكانية التقدم التاريخي، وبالتالي صارت الحداثة الفعلية مرتبطة بتكوين اقتصادي اجتماعي، يتجاوز الرأسمالية العالمية، ويستفيد من مكتسبات الحداثة الرأسمالية وقيم الليبرالية بعيدا عن سيطرة الملكية الخاصة، وعبر سيطرة الماركسية، وكل نقد لها من داخلها.

هنا بداية التاريخ الحقيقية الثانية، بعد أن بدأ التاريخ بشكل زائف مع الاستعمار، فنشأت بنية اجتماعية كولونيالية، وجدّدتها البرجوازية الصغيرة، والتي حكمت باسم أيديولوجيا القومية والاشتراكية، وشكلت أسوأ نظام شمولي وفاشي في التاريخ، ولا تزال مستمرة.

15