المثقف ليس ذلك الشخص المنزوي الذي يتأبط كتابا

المؤرخ التونسي محمد التليلي: المثقفون أعمدة النور ما إن تنطفئ حتى ينتشر اللصوص.
الجمعة 2018/04/06
تاريخ تونس ليس قرطاج

التاريخ التونسي لم يُقرأ بشكل صحيح، أو لنقل بشكل عادل، حيث قدم وفق رؤية أحادية قامت بتغليب أطراف على أخرى وذكر  أحداث دون أخرى، حيث أن التاريخ التونسي شأنه شأن التاريخ العالمي انتقائي، تدونه السلطة حسب توجهاتها، ولا ننسى أيضا التأثير الكبير للاستعمار الذي تعرضت له تونس خاصة حين كانت ولاية للعثمانيين ، وأيام الاستعمار الفرنسي المباشر.

تطورت قراءة التاريخ اليوم في ظل الانفتاح التكنولوجي وتطور أساليب البحث الأركيولوجي أو الجيولوجي والتنقيب وغيرها. ولكن رغم ذلك لا تزال كفة التأريخ في تونس مائلة لصالح السلطة وما تقدمه، ولا نقصد هنا السلطة السياسية فحسب، بل وحتى السلطات الثقافية والدينية والاقتصادية وغيرها، التي يرتهن إليها تاريخ البلاد وكل جهة تعلي من شأن من يخدم مصلحتها.

خارج تأريخ السلطة

الدكتور محمد التليلي مؤرخ خرج عن طوابير مؤرخي السلطة وأثار ضجة كبيرة بدراسته التي قدمها في الجزائر، والتي يعيد فيها الاعتبار إلى واحدة من أهم دول البحر الأبيض المتوسط التي قامت بين تونس والجزائر ألا وهي مملكة نوميديا، التي قامت أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، ويرى التليلي أن هناك تغليبا لدور قرطاج على دور المملكة النوميدية وملوكها من ماسينيسا إلى يوغرطة، حيث لا تذكر نوميديا إلا عرضا، فيما يقصر الكثيرون خطأ في التأريخ لتونس بحصره في القرطاجيين والرومان، بينما تُنسى نوميديا المملكة الأمازيغية التي تمكن ملكها ماسينيسا من هزم حنبعل رافعا شعار “أفريقيا للأفارقة”.

 

ضمن تظاهرة 24 ساعة مسرح دون انقطاع والتي احتضنتها مدينة الكاف التونسية، وفي ساعة متأخرة من الليل، وجدنا الباحث والمؤرخ التونسي محمد التليلي ينتظر في الجو البارد للدخول إلى عرض راقص تؤديه طالباته، معتبرا أن ذلك واجبه الأهم تجاههن، لتشجيعهن على الفن والخلق والإبداع، ودفعهن نحو التنوير في بيئة أتى عليها الجهل الذي يعتبر الرقص حراما والجسد عورة والفن بدعة. “العرب” كان لها إثر ذلك لقاء في شوارع مدينة الكاف القديمة، مع المؤرخ الذي زرنا معه أهم المعالم التاريخية المتروكة والمنسية، رغم أنها شاهدة حية على إرث حضاري عريق

اهتم التليلي بالتأريخ لمملكة الأمازيغ رادا الاعتبار لمنجزاتها التاريخية، وتطرق في حديثه إلينا حتى إلى الإرث الفني لهذه الحضارة العريقة، الذي جعل كبار الموسيقيين التونسيين مثل الشيخ العفريت ينهلون منه، من خلال زياراته التي أداها إلى محافظة الكاف (شمال غرب تونس)، التي تضم أهم معالم مملكة الأمازيغ ألا وهي مائدة يوغرطة التي وقع ترشيحها أخيرا لقائمة التراث العالمي.

يحدثنا التليلي عن تاريخ مدينة الكاف الفريد من نوعه، حيث يمكنك أثناء جولة في دقائق بين معالم ما يسمى “هضبة الدير” في هذه المدينة، التعرف على أكثر من ثلاثة آلاف عام من الحضارات المتعاقبة والتي تركت بصماتها؛ بداية بالأمازيغ والرومان والعرب واليهود والعثمانيين وحتى الاستعمار الفرنسي، إذ تزخر المدينة بفسيفساء ثرية من الحضارات التي خلقت ثقافات متعايشة جنبا إلى جنب، ويلفت التليلي إلى أنه كنا نجد المعبد اليهودي “الغريبة” والكنيسة المسيحية التي تعود إلى الحقبة الرومانية والمسجد بجانب بعضها البعض. بل يذكر تفاصيل بسيطة من الحياة اليومية أبعد ممّا هو ظاهر، حيث كان والده يستنجد بيهودي لذبح أضحية عيد الإضحى الإسلامي، كما كان المصور يهوديا. وغيره من مظاهر التكامل والتعايش.

 جوّ من التعايش فقدته المدينة اليوم حين أغلق المعبد اليهودي وصار في حالة رثة رغم تاريخه العريق ورغم ترميمه في تسعينات القرن الماضي، وأمّا الأخبار الكثيرة عن نية إعادة ترميمه فإنها لم تر النور بعد، وهاجر أغلب يهود الكاف، كما أغلقت الكنيسة المسيحية التي تقع أسفل الكنيس اليهودي، وتسمى “بازيليكا القديس بطرس” فيما يطلق عليها محليا اسم “دار القوس”، ويعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد حيث كانت معبدا للآلهة قبل أن تصبح كنيسة رومانية، إضافة إلى اعتداءات صارخة على العمران القديم.

يعود ذلك في رأي التليلي إلى تراجع ثقافي كبير ما ساهم في نشوء ما يسميه “الهويات القاتلة”؛ تماهيا مع عنوان كتاب للكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، أي تلك الهويات المبنية على الانتماء الأعمى جغرافيا وعرقيا ودينيا، والتي تلغي الآخر وتسعى إلى فسخ الاختلاف تحت رايات الجهل والفراغ الثقافي، فقد أفرغت من خلاله بنية حضارية ضاربة في القدم والعراقة.

المثقف الفاعل

الثقافة كما يراها المؤرخ التليلي يجب أن تحتل الصدارة وتكون ضرورة قصوى بالنسبة إلى الشعوب الطامحة إلى التطوير والتجدد واللحاق بركب الأمم المتقدمة، فالسينما والكتب والمسرح والرقص والرسم وغيرها من صنوف الفعل الثقافي يجب أن تتحول إلى عادة يومية وليست مجرد ترفيه مناسباتي، كما يقول، فمن خلال الثقافة يمكن بناء مجتمع قوي ومتماسك وقادر على الإنتاج والفعل والتغيير.

 ويراهن التليلي في ذلك على الشباب والنساء والرجال، ومن مظاهر الفعل الثقافي الإيجابي يذكر مثلا ما قامت به جمعية الكتاب في الجهة والتي تتكون غالبية أعضائها من سيدات من الكاف، حين تمكنّ من لقاء بابا الفاتيكان مؤخرا ولفت انتباهه إلى الكنيسة المسيحية القديمة الموجودة في منطقتهن، من خلال إهدائه لبساط منسوج بأيديهن يحمل صليب القديس بطرس في مبادرة منهن لتصدير الوجه الحضاري المشرق لمدينتهن، القائم على التعايش.

من لديهم القرار تنقصهم المعرفة، ومن لديهم المعرفة تنقصهم السلطة والقدرة على تحقيق مشاريعهم الحضارية

كما أن التليلي يؤمن بدور المثقف العضوي، ويقول “أرفض صورة المثقف الخاضع أو الصورة النمطية لذاك الشخص السلبي الذي يتأبط كتابا منزويا في ركن”.

لذا شارك منذ صغره في الحركة الكشفية التونسية، والتي تقوم على تهيئة الشباب جسديا من خلال تلقينهم دروسا في الحياة والتعامل مع البيئة والتخييم وغيرها من الأنشطة، وهو ما جعله يحاول رفقة مجموعة من الشباب إعادة تهيئة المدينة، وتقديم نموذج تونسي أصيل عن التغيير الإيجابي. وقد سبق له أن أشرف على عمليات ترميم “قصبة الكاف”، في أعلى هضبة الدير، وهي المعلم العثماني الأبرز، كما ساهم في عمليات ترميم الكنيسة المسيحية، لكن أعمال الترميم والحفريات توقفت ولم تتواصل خاصة في ما بعد الثورة، والتعصب الذي انجرف إليه العديد من الأطراف.

لا يرى التليلي فوارق بين السياسي والثقافي، يقول هنا “مشكلتنا أن من لديهم القرار في السلطة تنقصهم المعرفة، ومن لديهم المعرفة تنقصهم السلطة والقدرة على تحقيق مشاريعهم الحضارية” لذا ارتأى أن يقتحم عالم السياسة رفقة مجموعة من الشباب المثقف والمتعلم، علهم يستطيعون إعادة البريق المفقود، وإعادة الدور الحقيقي للمثقف الفاعل.

ويذكر ضيفنا هنا أن القوى الظلامية والرجعية جميعها تكره الثقافة والمثقفين، وهو ما يجعلها تلاحقهم وتهمشهم وقد يصل بها الأمر إلى تصفيتهم، فالمثقف هو النور، فيما قوى الرجعية لا تعيش إلا في الظلام، يقول “إن صوت كل مثقف عمود نور ما إن تطفئه حتى يعم الظلام ويتكاثر اللصوص ومحبو العتمة”.

يحاول التليلي إعادة الحياة إلى المعبد اليهودي الآيل للسقوط وإلى الكنيسة المهجورة التي أتى العشب على أرضها، كما يحاول خلق حراك ثقافي دائم، ما سيسهم في خلق حركة سياحية واقتصادية وإعادة إحياء مدينة منسية، وتقديمها نموذجا تونسيا للسلم والرخاء والثقافة الخلاقة والإبداع، خاصة وأنها تملك كل المقومات لتكون كذلك.

15