المثقف والتأثير

الأحد 2017/08/06

قد يبدو السؤال فقد إثارته لكثرة تكراره، ولكنه يبقى السؤال المنطقي الذي يبحث عن إجابة في خضمّ الواقع الذي نعيشه.. هل المثقّف له سلطةٌ مؤثرة؟ أو بمعنى آخر هل يمكن للمثقّف أن يكون مؤثرا في المحيط الذي يتواجد فيه؟ يقودنا السؤال إلى مرحلة ما قبل الخمسينات والستينات من القرن الماضي حين كان المثقّف له صوت أعلى من صوت السياسي وكان الشاعر، لأننا أمّة شعرٍ، إذا قال قولا اهتزت من تأثيره العروش وتلاقفت الجماهير قوله، ولكن هذا التأثير تراجع بعد التغيّرات التي طرأت على العالم العربي ومنها العراق.

منذ تلك الفترة وما تلتها ومحاولة السلطات السياسية التي عرفت أن تأثير المثقّف أقوى منها فعملت على التقليل من شأنه بعدّة طرقٍ منها محاولة تحويل المثقّف من المثقّف السياسي إلى السياسي المثقّف وجعله جزءا من المنظومة السلطوية وكذلك تحويل فكرة الكوني إلى فكر أيديولوجي محدد، مما يعني موت تأثير الكلمة على المواطنين عامة، فضلا عن شراء أصوات المثقّفين بالمال أو زجّ المثقّف الذي لا يقبل أن يكون ضمن هذه التوجهات في السجون. وبالتالي كان هناك خوف من قبل المثقّفين الآخرين من أن المصير هو القتل أو الاغتيال أو الإعدام مما جعل موقف المثقّف يتراجع ولم يعد صوته أو كلمته هي صاحبة التأثير بما فيها صوت الشاعر.

ولكن أيضا بالإمكان القول، وسط المتغيّرات التي شهدها العالم والتي بدأت بالعولمة ووصلت إلى التعصّب الديني ولم تنتهِ بالتراجع الأخلاقي للسلطة وقيادتها، إن المثقّف ليس سلطة مفردة بل هو حاصل جمع قول وقوّة كلام المثقّفين، بمعنى أن المثقّف مع الآخرين يكون قويا وإذا ما ترك لوحده فإنه سيكون لقمة سائغة للسلطة إذا ما أراد التدخّل لحلّ أزمات البلاد في ضعفها. وإن أكثر ما يمتلكه هو القول والفعل السلمي اللذان يريدهما أن يؤثرا ولكن هذا يحتاج إلى شيئين أولهما نصرة المثقّفين الآخرين المشابهين له لكي لا يتحوّل كلّ واحد منهم إلى فردٍ سهل الافتراس وثانيهما توافر قاعدة جماهيرية قادرة على المحافظة عليه وبحقه والمدافعة عن وجوده إذا ما حصل له شيءٌ يؤدّي إلى فقدانه حياته في حال استخدمت السلطات قوّتها المدمّرة لإخفاء ردّة الفعل المقابلة لفعلها الدموي سواء في الدولة الطاغية أو الفعل الضعيف في حالة الدولة الضعيفة التي انكشفت كل عوراتها وصارت نهبا للأطماع.

لذا فإن العودة إلى عنوان الأزمة في المجتمعات الرخوة أو الضعيفة هي أن المثقف تأخّر في أخذ دوره منذ البدء في حين تمكنت السلطات الأخرى التي تمتلك القوّة تحت جناح الدولة من تقوية مراكزها سواء باستخدام القاعدة الجماهيرية التي يمكن استلاب عقلها بأفعالٍ عاطفية أو بالاستعانة بالمثقف السلبي أو النفعي أو الوصولي.. وأن الحل يكمن في أن المثقّف يجمع قوّته مع فعل وقوّة مثقّفٍ آخر لكي يكون الحل ثقافيا وجماعيا لكي ترتخي قبضة الجهل واستغلال العاطفة الجماهيرية، وبالتالي يمكن بناء مجتمعٍ قادرٍ على الاتصال مع التطوّر.

وإذا ما كان المثقف يصطدم مع تيارات جديدة غير تلك التيارات التي كانت سائدة في القرن الماضي وتحديدا التيارات الدينية التي لها قاعدة جماهيرية واسعة، فإنه يمكنه أن يكون غير منغلقٍ في تفهم الحالة الاجتماعية لأن المثقّف لا يمكن أن يتجاهل التحوّلات الدينية والاجتماعية والثقافية أيضا ولا يمكن أن يبقى أسير مصطلحات وأفكار قديمة أو تأثيرات مجتمعات أخرى ليطبقها في مجتمعه لأنه سيجد صدّا أو يجد رفضا قاتلا لأنه سيكون تحت طائلة الاتهام. ولهذا فإن المثقف إذا ما أراد أن يكون مؤثرا عليه أن يتحرّك وفق الأطر الاجتماعية التي يعيشها وكذلك الفكر الذي يراد له أن يكون، ويعرف من أين تؤكل الكتف لأنه حينها سيفقد كتفه وصوته معا.

كاتب من العراق

11