المثقف والتلفزيون

الخميس 2015/05/07

أسالت استضافة بعض القنوات التلفزيونية التونسية للمفكر محمد الطالبي في المدة الأخيرة حبرا كثيرا، غلب عليه تنديد واسع بسوء معاملة الإعلاميين لعلَم من أعلام الساحة الثقافية، وعدم احترامهم لمكانته وعطائه. ونُعت مقدمو تلك البرامج بنعوت ليس أقلها عدم احترام سنّ الضيف. والحق أن الذنب يلقى على عاتقي الأستاذ الطالبي، لأنه لم يتخير لرِجله قبل الخطو موضعها كما تقول العرب. فماذا كان ينتظر من برامج الـ”توك شو” التي تبحث عن الإثارة، ولا يهمها أن تعرف فكر الرجل ولا مواقفه من هذه القضية أو تلك؟

لقد استاء الأستاذ الطالبي، وطلبته وقراؤه، من مقاطعة منشطي تلك البرامج إياه كلما همّ بالتعبير عن فكرة، أو الإجابة عن سؤال، والمسكين لا يعلم أن تلك هي الاستراتيجيا التي تقوم عليها برامج من هذا النوع.

فالغاية ليست معرفة رأيه بقدر ما هي استفزازه وإفحامه من غير برهان، فقط بتكرار قطع حبل تفكيره، وإظهاره في مظهر العاجز عن الجواب المقنِع. أي أن مقدمي تلك البرامج الضحلة لم يخرجوا عن دورهم، وطبّقوا ما تعلّموه لمناقشة كل من هبّ ودبّ، بالأسلوب نفسه، يستوي في ذلك المفكر والأديب والسياسي ولاعب الكرة والراقصة ومغني الراب.

والمعروف أنه حينما يستدعى المثقف إلى حصة تلفزيونية، فليس الغرض أن يقول ما يريد، بل أن يؤدّي دورا ما، يحدده المنتج والمقدم، فلا غرابة بعدئذ أن يقلص المقدِّم زمن تدخلات ضيفه، ويشوش فكر صاحبها باعتراضات مستفزة، ويسيء إليه بوضعه موضعَ هزءٍ أحيانا، كما جرى للأستاذ الطالبي.

والموقف السليم لأي مثقف، كما يرى جيل دولوز وحتى بيير بورديو، هو أن يرفض الظهور على التلفزيون، لا تمنّعا ولا تعفّفا، بل تعبيرا عن رفضِه إطارا ليس له عليه أيُّ نفوذ. فما دعوة هذه الشخصية أو تلك في الواقع إلا من أجل توفير ضمانة لبرامج تجادل في كل شيء، بغير علم في أغلب الأحيان.

والمعروف أيضا أن المنطق التجاري والتنافس يفرضان على القنوات التلفزيونية آليات محددة، من حيث محتوى البرامج، وطرق تقديمها، ومستوى النقاش الذي ينبغي أن يلامس أكبر قدر ممكن من المتفرجين، ويساهم في تكريس نوع معين من البرامج على نحو يجعلها جماهيرية، أي تجري على ألسنة الناس في المقاهي ويتداولونها في المواقع الاجتماعية. والنتيجة امتثالية بلا حدود، وأخلاقية بلا أخلاق، أو كما يقول الفرنسي هنري مالر المتخصص في نقد الميديا “إثارة بلا محتوى، وعري بلا حياء”.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15