المثقف والتلفزيون مرة أخرى

الخميس 2017/10/26

بعد الإهانة التي تعرض لها المرحوم محمد الطالبي، ها أن علَمًا آخر هو المؤرخ المصري عاصم الدسوقي يتعرض بدوره لإهانة أفظع، فقد ألفى نفسه أمام مذيعة لا تعرف قواعد مهنتها ولا آداب الضيافة، فضلا عن كونها لا تملك أي إلمام بالموضوع الذي تريد الخوض فيه مع عالم جليل شغل عمادة كلية الآداب بجامعة أسيوط، وعمادة كلية الآداب في حلوان، ونشر قرابة أربعين مؤلفا في التاريخ المعاصر.

كانت تخاطبه مخاطبة مدرّسة لتلميذ في فصلها، وكلما همّ بالكلام قاطعته بحدة، دون احترام لسنّه ومكانته، قائلة “أنا أسأل ودورك أن تجيب”، حتى لنخال أنفسنا أمام لقطة من مسرحية “شاهد ما شافش حاجة” حين يؤنب رئيس المحكمة الفتى سرحان عبدالبصير قائلا “لما أسألك تجاوب. مفهوم؟” ومن العجب أن تتباهى بأنها، شأن زملائها، لا تملك نصيبا من المعرفة “أقول على الهواء، نحن كإعلاميين لسنا متخصصين في أي موضوع نناقشه، سواء أكان في مجال الآثار أو التاريخ أو غيره، نحن كإعلاميين لا ندعي العلم ولا المعرفة…”.

فهل يعقل أن يحاور مذيع مفكرا وهو يجهل المدارس الفكرية، أو يناقش أديبًا وهو لا يعرف التيارات الأدبية، أو مؤرخا وهو لا يحسن إلا إدانة مؤرخينا العرب لأنهم أخذوا علمهم عن الأجانب؟

ورغم أن إدارة القناة اعتذرت للضيف، ونشرت بيانا تعلن فيها إيقاف المذيعة وإحالتها على التحقيق لإخلالها بقواعد الأداء المهني، وعدم التزامها الأسلوب اللائق في التعامل مع ضيف البرنامج، فقد وجدنا من المثقفين من انحاز إلى المذيعة مدّعيا أنها سألته “سؤالا واضحا وعميقا: من الذي كتب تاريخ مصر، المصريون أم الأجانب؟ فلم يستطع الإجابة”، والحال أن الرجل أجاب، ولكنها لم تترك له مجالا ليشرح رأيه، إذ شحنت البلاتو بتوتر انعدم فيه الحوار فأوقفت الحلقة قائلة في تشنج لا يخفى “من الواضح أنك لا تريد أن تكمل الحلقة!” هكذا!

وبغض النظر عن دوافع تلك المعاملة السيئة التي قابلت بها المذيعة ضيفها، والتي أعرب عنها هو نفسه لاحقا، فإن الذنب ذنبه هو في المقام الأول، لأنه رضي بالحضور في حصة من تلك البرامج التي يبحث منشطوها عن الإثارة قبل كل شيء، ولا يهمهم أن يعرفوا فكر الضيف أو مواقفه. فاستراتيجيا تلك البرامج، كما أسلفنا في مقالة سابقة، إنما تقوم على استفزاز الضيف، ومقاطعته مرارا وتكرارا، لإظهاره في مظهر العاجز عن الجواب، فلا غاية من دعوته في النهاية إلاّ لعب دور يحدده منتج البرنامج.

كاتب تونسي

15