المثقف والسلطة ولعبة تبديل الألوان

الأربعاء 2017/03/01

كان هناك دائما نوع معين من الكتاب أعرف عن يقين أنهم بحكم ثقافتهم وتجاربهم الشخصية يعرفون الفرق بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، وبين الصالح والطالح، لكنهم رغم معرفتهم ويقينهم، يختارون الوقوف مع الخطأ، والدفاع عن الباطل وتبريره وتزيينه والترويج له.

يحدث هذا في مجال السياسة كل الوقت، ويحدث في مجال الثقافة معظم الوقت.

لم أفهم مثلا، كيف لمثقف مثل أنيس منصور، كان يجيد سبع لغات، أن يختار قشور الأشياء ويمارس عبر سنين طويلة من حياته، التدجين والتخدير بكتاباته، وكيف اختار طواعية أن يصمت أمام الحاكم وينحني ويقدم خدماته، ثم ينحاز إلى الحاكم الذي أعقبه يؤيده ويسليه ولا يقول له إلا ما يرضيه ويضحكه من حكايات يقصها عليه. وقد هالني أن أقرأ كتاب أنيس منصور “عبدالناصر المفترى عليه والمفتري علينا”، الذي يقر في بدايته بأنه ينشره بمناسبة مرور 25 عاما على قرار الرئيس جمال عبدالناصر بفصلي من عملي بسبب مقال نشرته في “أخبار اليوم” بعنوان “حمار الشيخ عبدالسلام”!.

أنيس منصور الذي هام عشقا بالوجودية، وكان تلميذا مخلصا متفوقا في قسم الفلسفة وأحد تلاميذ الدكتور عبدالرحمن بدوي، سرعان ما سيجد أن مكانه ليس بين أسوار الجامعة، بل في الصحافة، ولكن ماذا أضاف للصحافة، وقد سمعته بأذني يقول إن الصحافة اليومية ورق يطبع في الصباح لكي يستخدمه المسيحيون الفقراء بديلا لورق “التواليت” في المساء، أي أنه يمكنه أن يغير رأيه كل يوم دون أن ينتبه إلى ذلك أحد.

كان أنيس أول من أدخل وروج ونشر عن “تحضير الأرواح”، ثم نشر كتابه الشهير “أشباح وأرواح” ثم “الذين هبطوا من السماء”، ثم مزج بين خرافاته وخيالاته وقصصه الشخصية المختلقة، وبين بعض الحقائق في كتابه ذائع الصيت “حول العالم في 200 يوم”.

وقد انتقل من أحد رواد صالون العقاد، ومريدي طه حسين، إلى كتابة الطرائف لصحف “أخبار اليوم” التي أرست مبدأ أن الخبر الجدير بالنشر هو “رجل يعض كلبا” وليس “كلب يعض رجلا”.

صحيح أن عبدالناصر استبعده من الصحافة لمدة قصيرة، لكنه عاد ليحصل في العام نفسه على الجائزة التشجيعية من مجلس رعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وعندما تولى الرئيس السادات الحكم، أيّده أنيس ووقف خلفه بقوة، للانتقام من عبدالناصر الذي شنت عليه صحافة السادات حملة شعواء.

كان أنيس منصور في كتاباته شديد الهجاء لليهود، وكثيرا ما كان يبرر مواقف هتلر من “المسألة اليهودية”، ويستنكر أن يفرض على تلاميذ المدارس الأوروبيين زيارة معسكرات الاعتقال النازية في أوشفتز وبيركناو وداخاو، التي يقال إنها كانت معسكرات للإبادة الجماعية وغرف الغاز، بهدف ترسيخ عقدة الشعور بالذنب لدى الأجيال الجديدة، لكنه سيصبح بعد أن يوقع السادات اتفاقيته مع إسرائيل، من أكبر المدافعين عن التعاون مع إسرائيل، والتعلم من “العبقرية اليهودية”!

أنيس منصور المتشكك الذي كان يتوقف أمام لغز الموت ويطرح تساؤلات وجودية عن “العدم”، ويكتب بإعجاب شديد عن جان بول سارتر، سيكتب في مطلع كتابه المشار إليه عن سيد قطب، نكاية في عبدالناصر فقط ولمنافقة تيار الإخوان المسلمين الذين كان السادات قد أفرج عن قياداتهم وقربهم منه بغرض ضرب اليسار: “لقد كان -يرحمه الله- طويلا شاحبا، يتساند على جلاديه، لم يكن خائفا، وإنما كان مريضا، لم يكن خائرا وإنما كان شيخا، لم يكن ثقيل الخطى، وإنما كان علما وقرآنا، لم يكن بشرا.. لقد كان جبلا من الإيمان والصبر واليقين”.

ويمضي قائلا “بحثت عن يديّ ألطم بهما خدي فلم أجدهما، ما الذي انتابني، ما الذي أصابني لأرى ‘سيد قطب’ العالم الجليل والشهيد الكريم، صديقي في حب الأستاذ العقاد والإعجاب به، أحد الأضواء الكاشفة للإيمان والغضب النبيل من أجل الله وفي سبيله”.

وعجبا لهؤلاء المثقفين.. أو بالأحرى، تبا لهم!

ناقد سينمائي من مصر

16