المثقف وصراع الأحلام

السبت 2014/07/26

في مجتمع مغرق بقيوده، حيث لا مكان فيه للفرد خارج العشيرة والطائفة والعائلة، وحيث إرضاء وكسب تقدير هذه الكيانات أو بعضها جوهر حياة الفرد، تصبح للأفكار المستوردة قوة في منح معنى لحياته، ومنحه شعورا بالتحرر.

ومن هنا جاءت الماركسية التي هي نتاج تطور فلسفي- معرفي- اقتصادي لأوروبا الصناعية إغراء بالخروج من قمقم العشيرة؛ من قمقم نفي الفردية.

في المقابل أصبح الانتماء إلى الحزب انتماء لعشيرة أخرى غير قابل للانفكاك. انتماء يضحي المرء بحياته عن طيب خاطر من أجله.

وحتى لو كان الهدف النهائي لهذه الأفكار، الوصول إلى فردوس قائم في مستقبل بعيد جدا: مجتمع الشيوعية الخالي من الطبقات، حيث العمل يصبح تحقيقا للذات أكثر منه استلابا لها، وحيث فائض الإنتاج يسمح للفرد بتكريس جهود لإيقاظ المبدع في داخله. كذلك هو الحال مع الفكر القومي الذي نشأ من زخم النزعة القومية التي اجتاحت أوروبا بعد حروب نابليون، والتي دفعت تلك الإقطاعيات المتنافرة في ألمانيا وإيطاليا وغيرها لاستنهاض الهمم وتكوين دولها القومية.

لقد كان بسمارك الألماني تجسيدا لهذه الروح، فعبر حروبه الداخلية والخارجية ومؤامراته وخداعه للقادة الآخرين حقق ظهور الدولة الألمانية الموحدة. وهذا ما حلم به المثقفون القوميون وسعوا إلى تحقيقه عبر تنظيماتهم.

كلا الحركتين: الشيوعية والقومية كانتا تنطلقان من نموذجين متخيلين يسكنان في الماضي السحيق: الأولى من مجتمع المشاعية البدائي قبل ظهور الملكية الخاصة وصراع الطبقات، والثانية من مجتمع عربي موحد لم يتحقق يوما على أرض الواقع. وفي صراع هذين الحلمين سالت دماء وتمزقت معها عرى المجتمع.

كان المثقفون المنتمون إلى هذين الطرفين المتنازعين محكومين بحلم بعيد المنال. ومع انهيار المشروع الوحدوي وتفكك الاتحاد السوفيتي فقدوا سحرهم على قطاعات من المجتمع آمنت بأفكارها، فعادت إلى الطائفة والعشيرة.

مع ذلك، ما زالت الفظائع التي ترتبت عن التصادم بين الحلمين حية في ذاكرة المثقفين، حتى بعد انطفاء الحلمين، والأحقاد العميقة ما زالت حاجزا أمام أيّة مصالحة حقيقية. هل يحق لي تبديل العنوان: المثقفون وصراع الأوهام؟


روائي عراقي

17