المثقف وصناعة أرضية التمرد في ظل القمع والخوف

حين تجتاحك لحظة الكتابة، تولد مع كلماتها عوامل حياتها واستمرارها، وتلتحف بأسلوب ينداح بين يديك، دون أن تدركه للوهلة أولى، فكيف إن كنت مجللا بالعطش، محروما من إطلاق مارد الحروف، مواربا بالمعاني في دواخلك التي تخبّئ في طياتها كل الحكايات والأحلام والأمنيات، وسط الزنازين، والأصفاد.. وعيون العسس؟ “العرب” التقت الكاتب السوري عبدالرحمن مطر وكان لنا معه هذا الحوار حول الكتابة والحرية.
الاثنين 2015/05/18
كاتب لجأ إلى كتابة الرواية في عتمة السجن، إعلانا عن التمرد على القوانين العرفية

عبدالرحمن مطر، كاتب سوريّ ولد في الرقّة عام 1960، وتخرّج في الجامعات السوريّة حيث يحمل إجازة في علم الاجتماع، ليتّجه إلى العمل الصحفي وليساهم بتأسيس العديد من المشاريع الإعلامية، صدر له العديد من الدواوين الشعريّة والإصدارات السردية والبحثيّة المتنوّعة.

عبدالرحمن مطر لجأ في عتمة السجن إلى الرواية لاعتقاده، أنّ كل حالة تستدعي شكلها وأسلوبها. وقد وجد أن الرواية، هي التي يمكن أن تنقل رؤيته لما يطرحه عبر النص، وما ينقله من حياة مريرة، هي تجربة السجن، وقد عجز ربما عن التعبير عن ذلك بوسائل أخرى كالشعر.

بهذا الاعتراف المباشر يبدأ الكاتب السوري عبدالرحمن مطر حديثه لـ”العرب” التي استضافته بمناسبة صدور روايته “سراب برّي”، التي تندرج ضمن حقل أدب السجون الذي سيكون الأدباء السوريّون لهم فيه الباع الأكبر عربيّا حيث يعكس النتاج الأدبي لهذا النوع من الأعمال قضايا هامة جدا في المجتمع السوري، مثل الاعتقال والسجن السياسي، والتي شكلت هاجسا كبيرا بما لقيه السوريون من عذابات بسبب سياسة الاستبداد التي حكمت سوريا لأكثر من نصف قرن، بكل ما فيها من انتهاكات واسعة للحقوق والحرية.

“سراب بريّ” أراد منها ضيفنا كما يقول أن تكون تعبيرا عن مرحلة عاشها في تعرية لأنظمة القمع والاستبداد، وأساليب تعاملها مع الناس، الذين تنظر إليهم جميعا كمجرمين، حتى يثبت العكس.

عبر مسارات أربعة بين التعذيب والقهر والحرمان وانتهاك حقوق الإنسان يسير مطر في تمثيل لجوهر المعاناة وأوجه العذابات بجانب ذاته، كما يقول ضيفنا، ولا يمكن إخفاؤه أو تجاوزه رغم تدثّره بضمير الغائب محاولا تخفيف شحنة العواطف الذاتية.

البحث عن الحرية في السجن ضمن هاجس القضية الوطنية بقالب روائي جديد، آلية اعتمدها مطر الذي يقول: إن الكتابة في السجن هي ممارسة التحدّي والتمرّد على المكان والسجان، هي ممارسة لأقصى حالات الحرية والسعي إلى لحظتها المنتظرة، وهي تأكيد على الحضور في مواجهة الإلغاء الذي يقود إليه فعل السجن، أو هكذا يراد له أن يكون.

سراب بري رواية البحث عن الحرية في السجن، ضمن هاجس القضية الوطنية بقالب روائي جديد

في البدء، كان المكان هو محور العمل حسب ضيفنا الذي كان معنيّا بالحفاظ على مسافة بين البطل وبين الراوي الذي أرهقه في تعقّب الأثر، كان الراوي ضميرا غائبا لكنه الشاهد الذي يروي الحكاية بهدوء العارف، المتواري خلف ستار خفيف بعيد -والحديث لضيفنا- الذي كان يحرّضه ويعينه في ارتدادات الذاكرة، التي شكّلت معينا يغني روح الكتابة في صوغ صورة متخيلة، معرّفة موصوفة، تعيد تكوين الصورة الذهنية، بتقريب صور الحقائق الأكثر مرارة من داخل السجن.

في ظلّ المدن السوريّة التي تحترق أطرح على ضيفنا ما يتمّ ترويجه عن ضرورة انتظار اكتمال الحدث لتناوله أدبيا، فيقول إنّه يختلف جذريّا مع هذا الرأي، إن الكتابة عنده حياة أيضا، تولد الكلمات، تنهض بالأفكار والرؤى، وتنمو وتنتشر، وليس هناك من قواعد تحدد أو تحتم على الكتّاب الانتظار حتى اكتمال أي حدث للكتابة عنه، على العكس تماما، فنقله عبر أشكال التعبير المختلفة، يعكس مسؤولية المبدع ودوره كما يقول، حتى يخلق حوارا غنيا حول الحدث، يمثل مشاركة في صنعه أو توجيهه.

وفي ظلّ كل هذا المشهد يؤكّد ضيفنا أنّ المثقّفين لعبوا دورا مهما في تهيئة المناخ العام، لثورة الحرية والكرامة، من خلال كتاباتهم في الأدب والسياسة والفنون المختلفة، وشكّل الإبداع المناهض للاستبداد عبر سنوات طويلة، أرضية منتجة للتمرّد، في ظل القمع والخوف، عبر التراكم النضالي، يتابع ضيفنا، على الرغم مما يحيط بدور المثقف السوري، من خيبة بسبب الإخفاق في ممارسة دوره الطبيعي.

وعن ليالي السجن وأيّامه يختم الكاتب السوريّ قوله بأنّها عمقت لديه روح التمرّد الوثابة، على الرغم من كل المرارات حيث صار أكثر ارتباطا وتمسّكا بالحرية كسلوك وممارسة، الحريّة التي هي القيمة الجوهرية التي منحتها له التجربة، في أن تكون الكتابة من أجل الحرية، وعبرها، من خلال الإقامة في قلب الحدث.

15