المثقف ولعنة النأي بالنفس

الجمعة 2013/08/23

وجّه الشاعر الألمانيّ فريدريش هولدرلين سؤالاً إلى الطبيعة التائهة فحواه: «ما فائدة الشعراء في زمن الغمّة؟». وفي الإجابة المرتقبة: «مثلهم كمثل القساوسة يهيمون في دياجير الليل المقدّس».

يمكن تلمّس اختصار رحلة فلسفيّة بين السؤال والجواب عبر مسار التيه المعاصر، والنبش عن دور الشعراء المغرمين بالتيه في الحياة. كيف يحضر لديهم نُشْدان الإقامة في سعادة التيه بعيداً عن رخاء الاستقرار المنشود عادة؟

كيف يمكن أن تستقيم الأحوال لشاعر ينشد قصيدة من أجل الإنسان في حين أنّ الإنسان يقتَل ويتمّ تحويله إلى وحش؟ هل يمكن للشعر أن ينهض بدور الممهّد لأيّ تغيير في الذهنيّة..؟

أليس الشعر محبوساً في الصدور والسطور ولا يتعدّى مفعوله وتأثيــره إلى الواقــع؟ لماذا يعيش بعض الشعــراء اغترابــاً مركّباً، من ناحيــة العيش في جحيم/ فــردوس الشعــر ومــن جهــة أخرى الهرب من وإلى فردوس/ جحيــم الواقــع؟

السؤال عن دور الشاعر يتعمّم لينطبق على المثقّف بعامّة، الروائيّ والقاصّ والفنّان... إلخ. أي أن نكون أمام امتحان الأدب في الواقع الحياتيّ، وكيف يتمّ تجسيد الأدوار ولعبها في مسرح الحياة، بعيداً عن لعبة الأقنعة والتحايل بالكلمات أو الصور.

وفي إسقاط دور الأدب عموماً على الحياة والواقع المعيش، يُصدَم المتابع لحالة الاصطفاف والانقسام التــي تجتــاح الأدباء والشعراء، وبخاصّ،،ة في التعاطي مع «الربيع العربيّ»، يستميت مثقّفو السلاطين وكتبته بالدفاع عن قيودهم وسخافتهم، ويتجاسر الفريق الآخر وينطلــق في سعيه نحو الحرّيــّة والخلاص.

ولا يخفى أنّ أيّ وقوف مع الديكتاتوريّة لا يمكن أن يبرّر بأيّ شكل من الأشكال. كما لا يمكن تبرير الصمت حيال الجرائم المقترفة، وأن يزعم الشاعر أو الروائيّ أنّه ينأى بنفسه عن الخوض في المسألة، وكأنّه يروم الاحتفاظ بمعجبيه من مختلف الأطراف، فإنّ هذا ما يشكّل مقتل الأدب وسقطته المدوّية في مستنقع الإرضاء والتراضي. كما أنّه يظلّ لعنة قاتلة لصاحبه.

بتخصيص الحالة، وإسقاطها على الواقع السوريّ أو تطبيقها عليه، يكون اختيار النأي بالنفس أو اختراع تحفّظات على الثورة نعيقَ الشاعر المهزوز، واغتيالَ القصيدة الحرّة، بحيث يتمّ الارتهان للخوف الذي ينبغي أن يبدّده المثقّف، أو لابدّ له أن يكون قد تخطّاه حين كتابة جملته الأولى، أو اتّخاذه قرار الكتابة. الخوف يشلّ الطاقات ويقتل الإبداع، وحين تأتي لحظة الانعتاق من ذاك الكابوس يختار أنصار العبودية الرجوع إلى كنف الطاغية أو اختيار مستنقع الأمان المفترَض.

قد تنشأ تحفّظات عن دور المثقّف ودعوته للعنف أو تأييده له، لكن يتعاظم السؤال حول نقاوة التعامل مع القتلَة واستحالة ذلك، لأنّهم لا يتمتّعون بأيّة قيمة أخلاقيّة.

ومن هنا يتجرّد الأدب من قيمه وسموّه حين يناصر الطاغية أو يصمت في حضرة القتل والإجرام.

ويكون اليقين القاطع أنّه يصعب التحلّي برفاهية التقييم في ظلّ النزف والقصف والتدمير، ولا يظلّ إلّا المبادرة إلى العمل، دون انتظار الأجوبة المفترضة على السؤال الأزليّ: ما العمل..؟ ودون أيّ نأي لعينٍ بالنفس في مواجهة استحقاقات الأدب والحياة.

14