المثل الأوروبي الأعلى.. أهو الفردوس المفقود

الثلاثاء 2016/08/02
ماذا بعد انفصال بريطانيا

بروكسل - مرت السنوات والاتحاد الأوروبي يتفادى الطلقات، وتمضي به الأيام إلى أن استقرت رصاصة في صدره بالاستفتاء الذي وافقت فيه بريطانيا على الانسحاب من عضوية هذا النادي الناجح لدول القارة.

وأسوأ ما في الأمر أنه لا يمكن استخراج هذه الرصاصة على الفور لتمكين هذا الكيان السياسي من الشفاء بسرعة. وسيتقيح الجرح المفتوح لعدة سنوات تجري خلالها مفاوضات الانفصال الأمر الذي يستنزف قوة يحتاجها الاتحاد كي يبرأ من جرحه ويعرضه بدرجة أكبر لطامات أخرى.

لقد أصبح انفصال بريطانيا هو أبرز علامة على اضمحلال واسع النطاق لمثال التكامل الأوروبي المتزايد في مختلف أنحاء القارة رغم أن بريطانيا كانت على الدوام أقل الأعضاء حماسا لهذا التكامل.

وبات الاتحاد الأوروبي “موضة قديمة” أشبه بالسترات ذات صفين من الأزرار وهو الكيان الذي وصفه رئيس المفوضية الأوروبية السابق كريس باتن، البريطاني الجنسية، في يوم من الأيام بأنه “تجربة رائعة في الجدل حول حصص صيد الأسماك بدلا من إطلاق النار، كلّ على الآخر”.

وفي أغلب الأحوال تتجنب القيادات الوطنية على مستوى الدول الحديث عن أوروبا في ما يتجاوز البديهيات. ولا يبدو أن هناك أحدا يذكر في باريس أو برلين أو وارسو أو لاهاي على استعداد للتفكير في الخيارات الصعبة التي ربما تكون مطلوبة الآن لتنشيط الاتحاد الأوروبي ووقف تيار عودة النعرات القومية.

وتطلب الأمر تدخل الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال زيارة لتذكير الأوروبيين بمدى ما وصلت إليه قارتهم بعد ما شهدته من خراب في الحرب العالمية الثانية وما قد تخسره ووصف الاتحاد الأوروبي بأنه “واحد من أعظم الإنجازات السياسية والاقتصادية في العصر الحديث”. ومع ذلك فالأوروبيون المعاصرون يعتبرون السلام والأسواق المفتوحة والحدود المفتوحة من المسلمات ويغتاظون من البيروقراطية والهجرة إلى القارة وفقدان الهوية الوطنية ومن حكام متباعدين بلا حسيب أو رقيب.

وتشمل أعراض رد الفعل المعاكس على إشراك الغير في السيادة صعود نجم الأحزاب الشعبوية المشككة في الوحدة الأوروبية في أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي وكذلك عجز ألمانيا وفرنسا اللتين شاركتا في تأسيس الاتحاد عن الاتفاق على سبل تقوية العملة الموحدة التي تشارك فيها 19 دولة وتعد محور المشروع الأوروبي.

لم تكن المشكلة البريطانية سوى واحدة من عدة أزمات تهدّد معا بقاء الاتحاد الأوروبي ونجاحه. ويقول لوكاس تسوكاليس، أستاذ التكامل الأوروبي، بجامعة أثينا وهو من كبار مستشاري السياسات سابقا لدى المفوضية الأوروبية “بالنسبة إلى المراقب غير المتعاطف ربما يبدو الاتحاد الأوروبي اليوم مثل إمبراطورية أفرطت في التوسع رغم ضعف مركزها مع ارتفاع كبار السن بين سكانها ودخول اقتصادها حالة أشبه بالغيبوبة ورغم التفتت الداخلي المتزايد بالإضافة إلى عالم من المتاعب على حدودها المليئة بالثغرات”.

ويجادل تسوكاليس في كتاب جديد بعنوان دفاعا عن أوروبا بأن الاتحاد الأوروبي ضحية نجاحه وأن المؤسسات المشتركة والشرعية الديمقراطية لم تساير عدد الأعضاء والأجهزة الذي ظل يتزايد باستمرار.

بركوب موجة العداء للعولمة وللهجرة إلى أوروبا يمكن للشعبويين أن يوجهوا المزيد من الصفعات إلى الوحدة الأوروبية في انتخابات الإعادة الرئاسية في النمسا

وقد اجتازت منطقة اليورو أزمة ديون سيادية مؤلمة منذ عام 2010 لكنها لم تنجح في منح الوحدة النقدية مقومات البقاء الكاملة. وتشير أغلب الكتابات الاقتصادية إلى أن ذلك يتطلب ميزانية مشتركة وشكلا ما من الأدوات المشتركة المؤمّنة للدين العام. وتعارض ألمانيا الاثنين.

وتفادى الاتحاد الأوروبي انفصال اليونان بأعجوبة في العام الماضي غير أن مشكلة ديون أثينا لا تزال دون حل. ولا يزال التباين مستمرا بين اقتصادات منطقة اليورو مع تفشي البطالة المرتفعة والتقشف في الجنوب.

وتزايد الغضب العام بفعل تنامي الفروق في الدخل في معظم المجتمعات الأوروبية وكذلك مشاعر الاستياء في بعض مناطق الغرب بفعل توسع الاتحاد شرقا منذ عام 2004.

وبركوب موجة العداء للعولمة وللهجرة إلى أوروبا يمكن للشعبويين أن يوجهوا المزيد من الصفعات إلى الوحدة الأوروبية في انتخابات الإعادة الرئاسية في النمسا وفي استفتاء في المجر على حصص المهاجرين في الثاني من أكتوبر المقبل.

وربما تتمكن هذه القوى نفسها من خلع الحكومة الإيطالية في استفتاء دستوري خلال الخريف والحكومة الهولندية في انتخابات عامة أوائل العام المقبل.

وقد أوقف الاتحاد الأوروبي بصفة مؤقتة الطوفان الذي دفع بأكثر من مليون لاجئ ومهاجر إليه لكنه فشل في توزيعهم على مختلف أنحاء القارة.

والأدهى من ذلك أن الاعتماد على تركيا في القيام بدور حارس البوابة الأوروبية يزداد صعوبة في ضوء الحملة التي يشنها الرئيس رجب طيب أردوغان على خصومه وعلى وسائل الإعلام والقضاء والمجتمع المدني بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو الماضي.

وأضعفت هجمات المتطرفين الإسلاميين في فرنسا وبلجيكا وألمانيا من ثقة المواطنين في أن الحدود الداخلية المفتوحة تزيدهم شعورا بالأمان. وتساءل تسوكاليس “إلى متى يمكن للخوف أن يقرب الأوروبيين؟”.

ربما كان الاتحاد الأوروبي على وشك بلوغ حدود ما يصفه المفكر والدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر بأنه “دولة ما بعد الحداثة”. ففي مقال وصف كوبر أوروبا عام 2002 بأنها الأكثر تطورا بين الأمم التي لا تركز على السيادة أو فصل الشؤون الداخلية والخارجية. ولاحظ أن “الاتحاد الأوروبي… نظام شديد التطور للتدخل المتبادل من جانب كل طرف في الشؤون الداخلية للآخر في كل شيء حتى في البيرة والنقانق”.

7