المجالس الأدبية من بلاطات السلاطين إلى المقاهي

المقاهي الأدبية كانت مرتبطة في بدايتها، بالتفكير في شؤون الدولة ومع توالي الزمن بدأت تأخذ صبغتها الأدبية والعلمية بشكل متدرج.
السبت 2019/05/11
المقاهي فضاء للثقافة والآداب والفنون

انتظر المغرب نهاية القرن الماضي ليشهد تأسيس مقهاه الأدبي، بصيغته الحديثة. ويبدو مسار ظهور المقاهي الأدبية وتطورها كما لو أنه صورة صغيرة لسيرة مشهد أدبي وثقافي أكبر يبحث باستمرار عن هوامش أخرى للتداول وللاقتراب أكثر من قارئ مفترض. ابتدأت اللقاءات الأدبية بين حيطان البيوت العامرة، وحين احتاجت نفسا وهواء أكثر انتقلت إلى مقاه وسط أحياء شعبية، بحثا عن قراء جاؤوا أصلا لشرب كأس شاي على الطريقة المغربية.

تعود تقاليد المجالس الأدبية بالمغرب إلى مرحلة مبكرة من تاريخه. وهو ما تربط بدايتَه الباحثة آسية الهاشمي البلغيثي، في كتابها “المجالس العلمية السلطانية على عهد الدولة العلوية”، إلى لحظة تولي وضع المولى إدريس أسس دولته العربية المسلمة التي عرفت وفود العلماء والشرفاء من المشرق والقيروان والأندلس، فكوَّن منهم حاشيته وبطانته وأسند إليهم المهام الجسيمة في دولته الفتية. وشكلت هذه النخبة أساس المجالس العلمية للمولى إدريس الأكبر التي كانت تجتمع لوضع المشاريع الضرورية لسير الدولة، وكذا لوضع القوانين والأنظمة لمواجهة مستجدات الحياة اليومية.

وإذا كانت وظيفة هذه المجالس الأولى قد ارتبطت، في بدايتها، بالتفكير في شؤون الدولة، فإنها ستأخذ مع توالي الوقت صبغتها الأدبية والعلمية بشكل متدرج، وذلك مع لحظات خفوت ارتبطت بعوامل سياسية سيعرفها المغرب طيلة مساراته التاريخية.

وفي هذا الإطار، يتحدث المؤرخ عبدالرحمان بن زيدان، أول مؤرخ للدولة المغربية، في كتابه “العز والصولة”، عن طقوس المجالس العلمية التي أسسها الملوك العلويون، وقد كانت تُعقد، بشكل منتظم، في بلاطاتهم أو خلال رحلاتهم، طيلة أشهر رجب وشعبان ورمضان من كل سنة.

المقاهي الأدبية في المغرب بدأت في مجالس نخبوية هدفها التسيير السياسي ثم أصبحت مجالس فكرية وأدبية مفتوحة

ومع توالي الزمن، تعددت أنواع المجالس ووظائفها، حيث اعتمدت أحيانا للتفكير في إصلاح القضاء والتعليم، أو للاستفتاء حول قضايا معينة، ولعل أهمها، كما ورد في كتاب  نشر المتاني للقادري، مجلس نظمه المولى إسماعيل حول “قضية خروج ولده محمد العالم عليه، فأفتى أعداء ولده من العلماء المتشددين بالحد الشرعي، ألا وهو قطع يديه ورجليه، فنفذ فيه الحد الشرعي المذكور، بوادي بهت، سنة 1119، ولم يأذن السلطان بعلاجه فمات”.

ووظفت المجالس الأدبية والعلمية، أحيانا أخرى، كمجال لإغناء الحوار مع الشرق، ومن ذلك عقد المولى سليمان لمجلس بالحجاز سنة 1227هـ، ضم علماء المنطقة، بحضور السلطان سعود والأمير مولى إبراهيم بن السلطان المولى سليمان، وذلك للنقاش بشأن المذهب الوهابي.

وشكلت بداية القرن الماضي، ثم ظروف مرحلة الحماية، لحظة خاصة أمست في إطارها الأندية الأدبية وسيلة أساسية للتداول والحوار والنقاش حول قضايا أدبية وفكرية ومجالا أيضا لتشكل نخبة تبحث عن هويتها خارج ما سعى الاستعمار إلى ترسيخه. ويشير، في هذا الإطار، المستشرق الفرنسي روجي لوطرنو، في كتابه “فاس قبل الحماية”، إلى وجود أندية أدبية بمدينة فاس، ومن بينها أساسا نادي الشريف مولاي إدريس بن عبدالهادي العلوي. وكان من ضيوف هذا المجلس، الذي كان كما يذكر لوطرنو، شريف فيلالي، هو مولاي علي الملقب بـ”سرواله” لأنه كان يترك سرواله دائما يسقط على رجليه.

 وإذا كانت مدينتا فاس ومكناس شكلتا، خلال لحظات طويلة من تاريخ المغرب، مركز المجالس والأندية بحكم وضعهما السياسي، فقد عرفت مرحلة الحماية توزع الأندية على مختلف مناطق المغرب. ففي مدينة الرباط، ظهر النادي الجراري سنة 1930، والذي مازال مستمرا إلى اليوم. ويربط مصطفى الجوهري تأسيسه بحدث أساس يتجلى في صدور الظهير البربري في السنة نفسها، والذي كان يسعى الاستعمار الفرنسي من خلاله إلى تكسير الوحدة الوطنية من خلال التمييز بين الأمازيغيين وبقية المغاربة.

وعرفت مدينة مراكش تنظيم عدد من الأندية، من بينها أساسا نادي عبدالله إبراهيم، الذي عين وزيرا أول بعيد الاستقلال، ونادي الشاعر عبدالقادر حسن، صاحب ديوان “أحلام الفاجر” الصادر خلال ثلاثينات القرن الماضي، والذي يعتبر أول مجموعة شعرية مغربية تصدر عن المطابع الحديثة، ثم نادي الشاعر محمد بن إبراهيم المعروف بشاعر الحمراء. كما عرفت المناطق الصحراوية تجربة خاصة على مستوى تقاليد المجالس الأدبية ارتبطت بطبيعة المنطقة من حيث جغرافيتها وبيئتها الثقافية والتاريخية. .

مع توالي الزمن، تعددت أنواع المجالس ووظائفها، حيث اعتمدت أحيانا للتفكير في إصلاح القضاء والتعليم، أو للاستفتاء حول قضايا معينة

وكان تمركز أغلب النوادي الأدبية الحالية بالعاصمة الرباط وانغلاق أغلبها على نخبة معينة وراء بحث آخرين عن فضاءات أكثر انفتاحا على العموم وأكثر اقترابا من مناطق بعيدة عن المركز. ولعله الهاجس الذي كان وراء تأسيس العديد من المقاهي الأدبية بمختلف المدن الكبرى والصغيرة، والتي يتجاوز عددها حاليا الستين مقهى. وهي مقاه يظهر بعضها ويختفي بعضها الآخر. غير أنها تشكل في جميع الأحوال استجابة لأفق انتظار مجتمعي وللرغبة في التداول الثقافي عن قرب. وخارج ذلك، يظل حضور المقاهي الأدبية بالمغرب، وأيضا ببقية دول العالم العربي، محتشما لاعتبارات ثقافية واجتماعية لم تستطع بعد تجاوز التمثل التقليدي للمقهى.

ولعل استحضارا سريعا لحجم حضور المقاهي بدول أخرى يكشف عن حجم الظاهرة مغربيا وعربيا. فأكبر المهرجانات الشعرية العالمية تجري أنشطتها داخل فضاءات المقاهي والمطاعم، سواء تعلق الأمر بمهرجان تروا رفيير بكندا أو لوديف بفرنسا أو ميدلين بكولومبيا.

وأكثر من ذلك، صارت معارض الكتاب الدولية الكبرى بأوروبا أو بغيرها تحرص على حضور مكون الطعام، ضمن برامجها، بشكل صار معه كبار الطباخين ينافسون الكتاب على مستوى الأضواء. ولا يتعلق الأمر بمغامرة، كما قد يحدث ببلداننا، بقدر ما يعتبر تعبيرا عن سياقات ثقافية يصير فيها الإبداع والفكر ممارسة مجتمعية بامتياز بعيدا عن صداع التنظير.

14